نهاية عصر الثواني الكبيسة.. هكذا سيغير العلماء توقيت العالم بحلول 2027

نهاية عصر الثواني الكبيسة.. هكذا سيغير العلماء ت

قبل نحو قرنين، كان المسافر الذي يغادر لندن متجهاً إلى مدينة بريطانية أخرى يضطر لتعديل ساعته عند الوصول، ليس لاختلاف المناطق الزمنية كما نعرفها اليوم، بل لأن كل مدينة كانت تضبط وقتها وفقاً لموقع الشمس في سمائها. ومع ظهور القطارات، تحولت هذه الفروق البسيطة إلى معضلة لوجستية أربكت مواعيد الرحلات وحركة النقل.

توسع
توسع السكك الحديدية في بريطانيا خلال القرن التاسع عشر أسهم في توحيد مواعيد المدن، بعدما كانت كل مدينة تعتمد توقيتها الشمسي.

اليوم، يواجه العالم تحدياً من نوع آخر؛ حيث أصبحت الثانية الواحدة التي اعتاد الإنسان إضافتها إلى التوقيت العالمي لتصحيح اختلاف دوران الأرض، مصدراً للارتباك في شبكات الاتصالات والأنظمة الرقمية الحساسة. وفي خطوة تاريخية، اتخذ ممثلو الدول الأعضاء في المؤتمر العام للأوزان والمقاييس بمدينة فرساي الفرنسية قراراً حاسماً يقضي بجعل التوقيت العالمي المنسق (UTC) مستمراً اعتباراً من 20 مايو/أيار 2027، دون الحاجة إلى إضافة أو حذف ثوانٍ كبيسة.

تطور قياس الزمن: من الشمس إلى الذرة

تاريخياً، كانت الشمس المرجع الطبيعي للوقت عبر الساعات الشمسية والمائية، ثم جاءت الساعات الميكانيكية التي طورتها ابتكارات مثل الساعة البندولية لهويغنز عام 1656. ومع ذلك، ظلت هذه الساعات عرضة لعوامل الاحتكاك والجاذبية.

ساعة
ساعة بوابة شيبرد التاريخية في مرصد غرينتش الملكي بلندن، أول ساعة تعرض توقيت غرينتش للجمهور.

ومع توسع السكك الحديدية، اعتمدت بريطانيا توقيت غرينتش (GMT) لتوحيد المواعيد، وهو ما رسخه المؤتمر الدولي لخط الطول عام 1884. لكن العلم اكتشف لاحقاً أن الأرض ليست ساعة مثالية؛ فدورانها يتباطأ بسبب قوى المد والجزر وتغيرات الغلاف الجوي، مما جعل الثانية بحاجة إلى تعريف أدق.

المزولة
المزولة، أداة فلكية استعملها الناس حتى وقت اختراع الساعة الميكانيكية.

في عام 1967، اعتمد المجتمع الدولي الساعة الذرية التي تستند إلى ترددات ذرة السيزيوم-133، لتصبح الأساس الأدق لقياس الزمن، بعيداً عن تقلبات دوران الأرض.

لماذا قرر العلماء التخلي عن الثانية الكبيسة؟

منذ عام 1972، تم إدخال الثانية الكبيسة للحفاظ على تقارب بين التوقيت الذري ودوران الأرض. لكن في العصر الرقمي، أصبحت هذه الإضافة المفاجئة تشكل خطراً على مزامنة الأنظمة الحاسوبية العالمية والبورصات وشبكات الأقمار الصناعية.

الوقت
الوقت الذري متقدم على الوقت العالمي المنسق بـ37 ثانية، وهو الفارق الذي سيتم تثبيته.

القرار الجديد لا يعني إلغاء حركة الأرض، بل يعني الاستغناء عن تعديل الساعة لمجاراتها. وسيتراكم الفارق بين التوقيت الذري والفلكي ببطء شديد، حيث قد يستغرق الوصول إلى فارق ساعة واحدة قروناً طويلة، وهي مدة كافية للعلم للتعامل معها مستقبلاً دون الاضطرار لقفزات زمنية مفاجئة.

هل يتأثر نظام GPS؟

طمأن العلماء بأن أنظمة الملاحة العالمية مثل (GPS) لا تعتمد على الثانية الكبيسة، فهي تستخدم توقيتاً ذرياً مستمراً. ويؤكد الخبراء أن الفصل بين قياس الزمن وتحديد إحداثيات الأرض سيبقى قائماً، حيث ستستمر الجهات العلمية في مراقبة دوران الأرض بدقة لأغراض الملاحة الفضائية والتلسكوبات، دون أن يؤثر ذلك على استقرار الساعة العالمية الموحدة.

أقمار
شبكة الأقمار الصناعية المخصصة لتحديد المواقع تعمل بالساعات الذرية بدقة متناهية.

وبهذا القرار، يطوي العالم صفحة الثانية الكبيسة التي استمرت لأكثر من نصف قرن، ليفتح المجال أمام حقبة جديدة من الدقة الزمنية التي تتطلبها تقنيات المستقبل.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص