د/ جميل سلطان د/ جميل سلطان
القرطاسُ والقلمُ


   لم يكن القرطاس والقلم (الدفتر والقلم) اللذان أهدتهما إلي طالباتي في كليتي الآداب والتربية بجامعة تعز هدية كغيرها من الهدايا؛ بل كانت هدية نوعية تحمل في طياتها دلالات عميقة ذات أبعاد معرفية وأخلاقية واسعة، وكانت هدية لا تقدر بثمن لما يحمله القلم والدفتر من أبعاد رمزية ذات مدلول حضاري باذخ الثراء.

وقد أبان ذلك بصورة واضحة عن وعي ناضج لدى هؤلاء الطالبات يبعث على الفخر والاعتزاز، وقد كان الجمع بين الدفتر والقلم دليل إدراكٍ منهن للعلاقة الوثيقة بينهما؛ إنها علاقة تضايف إذا ذكر أحدهما يذكر الآخر لذكره، وإن من مظاهر الدلالة الرمزية الثرية التي يحملانها أن الدفتر والقلم وسيلتان مهمتان للتعليم والتعلم.

وبهما يحفظ العلم والمعرفة وينتشران عبر الزمان والمكان.
  وحين نرجع إلى القرآن الكريم نجد التعليم مقترنا بأول وجود للإنسان، فقد كان أول تعليم هو تعليم الله لآدم حين علمه الأسماء، قال تعالى:﴿ وعلَّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾

فكان هذا التعليم تشريفا له حين اختصه بهذا العلم، وفي هذا دليل أيضا على شرف العلم وقيمته العظيمة، ودليل على أن الإنسان يعلو بالعلم ويشرُفُ به، ثم تتأكد قيمة العلم وأهميته من خلال القرآن الكريم أيضا؛ لأن أول آية نزلت من القرآن ذُكرت فيها القراءة بصيغة الأمر (اقرأ) وذكر فيها القلم، قال تعالى:﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق٭ خلق الإنسان من علق٭ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم﴾

وللقلم سورة باسمه في القرآن الكريم، تتأكد من خلالها أهمية القلم والكتابة به، وذلك في قوله تعالى:﴿ن٭ والقلم وما يسطرون﴾. وقد كانت للكُتَّاب وأهل القلم مكانة كبيرة في تراثنا العربي، وكان القلم والقرطاس مظهرين مهمين من مظاهر الفخر والتميز وعلو المكانة، فهذا شاعر العربية الكبير أبو الطيب المتنبي يفخر بمعرفتهما، وذلك في بيته الذائع الذي يقول فيه:
  الخيل والليل والبيداء تعرفني  
                   والسيف والرمح والقرطاس والقلم
ونظرا لمكانة القلم ومزيته الكبيرة في الدلالة على العلم والمعرفة والبلاغة والبيان نجد الشاعر الكبير أبا تمام يمتدح محمدًا بن عبد الملك الزيات وكان كاتبا أديبا بليغا فيصف قلمه بأوصاف رائعة منها قوله:  
لك القلمُ الأعلى الذي بسنانه
                  يصابُ من الأمرِ الكُلى والمفاصلُ
لعاب الأفاعي القاتلات لعابه
                  وأرْي الجنى اشتارته أيدٍ عواسلُ
له ريقةٌ طلٌ ولكن وقعها
                   بآثاره في الشرق والغرب وابلُ
وكذلك فعل البحتري حين امتدح الحسن بن وهب وهو من كبار الكُتَّاب فوصف قلمه بأوصاف بديعة، منها قوله:
وَإِذا دَجَت أَقلامُهُ ثُمَّ اِنتَحَت
               بَرَقَت مَصابيحُ الدُجى في كُتبِهِ
بِاللَفظِ يَقرُبُ فَهمُهُ في بُعدِهِ
                     مِنّا وَيَبعُدُ نَيلُهُ في قُربِهِ
حِكَمٌ فَسائِحُها خِلالَ بَنانِهِ
                    مُتَدَفِّقٌ وَقَليبُها في قَلبِهِ
ومن خلال ما تقدم يتضح ما للقلم والقرطاس(الدفتر) من الأهمية والمكانة، فبهما يتحقق التعليم والتعلم ويحفظ العلم والمعرفة، والعلم والمعرفة هما مفاتيح أبواب التقدم والتحضر ولا يمكن لأمة من الأمم أن تحقق حضورها الفاعل والمميز بين الأمم والشعوب ما لم تولي القلم والدفتر عناية خاصة لتكتب بهما مكانتها التي تستحقها على خارطة الحياة الحضارية.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص