لم تكن السماء يوما عدوا للانسان، بل كانت كتابا مفتوحا يقرأ فيه العلم، وتستدل به العقول، وتهتدي عبره الامم. النجوم لم تخلق لتخيفنا، ولا لتكتب مصائرنا، بل لتكون دلائل هداية، ومواقيت، وبوابات للتفكر في عظمة الخالق.
لكن، حين يتدخل الوهم، تبدأ الحرب.
ليست حربا بالسيوف، ولا بالمدافع، بل حرب خفية، ناعمة، تتسلل الى العقول دون استئذان. حرب ابليسية عنوانها التنجيم، وادواتها التنبؤ، وهدفها صرف الانسان عن العلم الى الخرافة، وعن اليقين الى الظن.
في زمننا هذا، كثر المتنبئون حتى ظن البعض انهم الاغلبية، لكن الحقيقة انهم قلة، مهما علا صوتهم، لان الحق لا يقاس بالانتشار، بل بالثبات. هؤلاء لا يقرأون السماء كما ينبغي، بل يعيدون تشكيلها وفق اهوائهم، فيحولون النجوم من ايات كونية الى وسائل لبيع الوهم.
يقول لك احدهم: سيحدث لك كذا، سيأتيك فلان، سيغيب عنك رزق، او يقترب منك خطر. وكأن الغيب اصبح سلعة، وكأن مفاتيحه باتت في ايدي البشر. وهنا تكمن اخطر مراحل هذه الحرب: حين يصدق الانسان، لا لان الدليل قوي، بل لان الخوف اقوى.
وهكذا ننزلق.
ننزلق من علم الفلك، الذي يخدمنا في معرفة اوقات الصلاة، وتحديد بدايات الشهور، وضبط الملاحة والاتجاهات، الى التنجيم الذي يسرق وعينا، ويقودنا الى انتظار الاقدار بدلا من صناعتها.
لم تعد المشكلة في النجوم، بل في العقول التي اساءت فهمها.
وهنا يظهر وجه الحرب الحقيقي: ابليس لا يمنعك من النظر الى السماء، بل يشوه لك ما تراه. لا يحارب العلم، بل يلبسه ثوب الخرافة. لا يبعدك عن الحقيقة مباشرة، بل يقودك اليها عبر طريق ملتوية حتى تضل" كذب المنجمون ولو صدقوا".
لان الصدفة لا تصنع علما، والتخمين لا يبني يقينا، وما بني على الوهم لا يمكن ان يقود الى الحقيقة.
اليوم، نحن امام مفترق طرق: اما ان نعود الى السماء بعين الباحث، او نبقى تحتها بعين الخائف.@
اما ان نقرأها كعلم، او نستهلكها كخرافة.
اما ان ننتصر في هذه الحرب، او نكون وقودا لها.
فالنجوم لا تكذب... لكن من يتحدث باسمها يفعل. :::
واقع أصبح مقرف نحن ومن يخدم الأجندات باسم الجهل.


