لم يعد النزاع في مضيق هرمز مقتصرًا على التهديدات المتبادلة بفتح المضيق أو إغلاقه، بل انتقل إلى مستوى أكثر تعقيدًا يتعلق بـ شرعية العبور؛ فبينما تحاول طهران فرض قواعدها الخاصة، تؤكد واشنطن سيطرتها الميدانية، لتجد شركات الشحن نفسها في حيرة بين خرائط متضاربة وتهديدات عسكرية متزايدة.
في أحدث التطورات، حذرت طهران السفن من عبور ما أسمته الممر الأمريكي، في وقت كشف فيه نائب قائد الحرس الثوري عن مساعٍ إيرانية لفرض سيطرة ميدانية على المضيق. وفي المقابل، تصر واشنطن على أن هرمز مفتوح بالكامل للملاحة التجارية، مؤكدة أنها أزالت الألغام وأمنت مسارات عبور ناقلات النفط والغاز.
مضيق هرمز.. ساحة لتقاطع القيود
يتحول مضيق هرمز اليوم إلى ساحة تتقاطع فيها أربع طبقات من القيود: حصار أمريكي يستهدف حركة السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية، منطقة محظورة تلوح طهران بفرضها، ممر بحري تجري بشأنه مفاوضات بين طهران ومسقط، ومسار تحميه القوات الأمريكية. هذا التداخل جعل من حرية الملاحة مفهومًا ضبابيًا، حيث لم يعد الأمر يتعلق بكون البحر قابلًا للعبور، بل بتحديد القوة التي تملك حق منح التصاريح وتحديد المسارات.
ازدواجية الروايات: واشنطن وطهران
تؤكد واشنطن أنها ساعدت مئات الناقلات على العبور، لكن القيادة المركزية الأمريكية أقرت في الوقت ذاته بأنها حولت مسار 94 سفينة وعطلت أخرى لعدم التزامها بإجراءات الحصار. هذه المفارقة تضع السفن التجارية أمام معضلة: هل الملاحة مفتوحة للتجارة الدولية، أم أنها خاضعة لقرار سياسي وعسكري أمريكي؟
من جانبها، تتحرك طهران في مسارين متوازيين: الأول هو الردع عبر التلويح بمناطق محظورة، والثاني هو التفاوض عبر الحديث عن ممر مؤقت مع سلطنة عُمان. ومع ذلك، يظل هذا الممر مجرد مقترح يفتقر إلى الضمانات الدولية والخريطة المعتمدة، مما يجعله بعيدًا عن كونه ترتيبًا نافذًا.
كلفة الغموض
أدى تضارب التعليمات إلى ارتفاع كلفة العبور، حيث بدأت السفن تلجأ لإطفاء أجهزة التتبع لتجنب الرصد، مما يرفع أقساط التأمين ويؤثر بشكل مباشر على أسعار الطاقة عالميًا. وقد انعكس هذا الغموض في قفزة بأسعار الغاز الأوروبي بنسبة 2.3% مؤخرًا، كدليل على أن أزمة هرمز لم تعد محصورة في مياه الخليج.
أزمة أمن إقليمي
يرى خبراء تسوية الصراعات أن الممرات البحرية ليست سوى جزء من أزمة أعمق؛ فاستقرار الخليج يتطلب توازناً إقليمياً يضم إيران ودول الخليج والولايات المتحدة، وليس مجرد ترتيبات عسكرية فردية. إن الخطر الحقيقي لا يكمن في إغلاق المضيق فحسب، بل في تحول العبور ذاته إلى قرار سياسي وعسكري عالي الكلفة، مما يهدد استدامة تدفق الطاقة العالمي.





