نجح علماء الآثار في إستونيا في إخراج حطام سفينة تجارية عملاقة تعود للقرن الرابع عشر، عُرفت باسم كوغ لوتسي 8، وهي اكتشاف أثري استثنائي لما تحتويه من تقنيات ملاحية متطورة وأدلة تاريخية حول حياة البحارة في العصور الوسطى.
إنجاز هندسي وملاحي
يبلغ طول السفينة نحو 24.5 متراً وعرضها يتجاوز ثمانية أمتار. ونظراً لضخامة الهيكل وحالته الفريدة، اضطر المختصون إلى رفعها على أجزاء لنقلها إلى متحف إستونيا البحري تمهيداً لترميمها. ومن أبرز المكتشفات داخل حطام السفينة، عُثر على بوصلة تعتبر الأقدم من نوعها في أوروبا، والمفاجأة العلمية تكمن في أن الجهاز لا يزال يعمل بكفاءة حتى يومنا هذا، مما يغير المفاهيم السائدة حول المهارات التقنية التي امتلكها تجار بحر البلطيق في ذلك العصر.
تفاصيل الحياة اليومية في عرض البحر
لم يقتصر الاكتشاف على هيكل السفينة، بل امتد ليشمل تفاصيل شخصية دقيقة عن طاقمها؛ حيث عثر الباحثون على أدوات، وأسلحة، وأحذية جلدية مرقعة، وحتى بقايا فئران كانت تعيش على متن السفينة. ويرجح الخبراء أن غرق السفينة كان حادثاً مفاجئاً أجبر الطاقم على ترك ممتلكاتهم والفرار، بينما يظل لغز غرق هذه السفينة الثمينة في المياه الضحلة لدلتا نهر هاريابيا قائماً حتى الآن.
التحليل التاريخي والتقني
اعتمد العلماء على تحليل دقيق لنحو مائة عينة من خشب السفينة، ليخلصوا إلى أن أشجار البلوط المستخدمة في بنائها قد قُطعت بين عامي 1370 و1372 ميلادية، مما يؤكد أنها كانت سفينة جديدة نسبياً وقت غرقها.
كما كشف الفحص عن براعة حرفيي ذلك الزمن في التعامل مع المواد؛ إذ أظهرت الحلقات القمرية (عيوب الخشب الناتجة عن الصقيع) أن المهندسين في القرن الرابع عشر كانوا يعوضون هذه العيوب بألواح تقوية خاصة، مما يشير إلى مستوى عالٍ من المعرفة الهندسية والقدرة على تطويع الموارد الطبيعية بكفاءة.


