مع حلول يوم الأحد 21 يونيو/حزيران، يستقبل العالم ظاهرة الانقلاب الصيفي، حيث تبلغ الشمس أقصى ارتفاع لها شمالاً فوق مدار السرطان، معلنةً بداية فصل الصيف فلكياً وأطول نهار في السنة لسكان النصف الشمالي من الأرض. لكن هذا التاريخ يحمل في طياته أكثر من مجرد ظاهرة مناخية؛ إذ يمثل ذكرى لأحد أعظم الإنجازات العلمية في التاريخ القديم.
قبل أكثر من ألفي عام، استغل العالم والجغرافي إيراتوستينس، مدير مكتبة الإسكندرية القديمة، هذه الظاهرة ليحقق ما بدا مستحيلاً في عصره: قياس محيط كوكب الأرض بدقة مذهلة باستخدام أدوات هندسية بسيطة وظلال الشمس.
عبقرية الملاحظة العلمية
يوضح الدكتور عمر فكري، نائب رئيس الجمعية العربية للقباب السماوية، أن إيراتوستينس لاحظ اختفاء الظلال تقريباً في أسوان وقت الانقلاب الصيفي، بينما كانت المسلات في الإسكندرية تلقي ظلالاً واضحة. ومن خلال مقارنة زاوية الظل بالمسافة بين المدينتين، استطاع حساب محيط الأرض بدقة مدهشة، محولاً ملاحظة يومية إلى قانون علمي خالد.
الهندسة الفلكية: حين طوّع القدماء حركة النجوم
إن السر وراء هذه الظواهر هو ميل محور الأرض بنحو 23.5 درجة، وهو الميل الذي يمنحنا الفصول الأربعة. وقد أدركت الحضارات القديمة هذه الحركة، فصممت معالمها المعمارية لتتطابق مع حركة الشمس.
تجلت هذه العبقرية في ستونهنج ببريطانيا الذي يصطف مع شروق شمس الانقلاب الصيفي، ومعابد الكرنك وأبو سمبل في مصر، وصولاً إلى هرم تشيتشن إيتزا في المكسيك، حيث حوّل القدماء معابدهم إلى تقاويم حجرية عملاقة تنظم حياتهم الزراعية والاجتماعية.
على خطى إيراتوستينس.. إحياء التجربة علمياً
منذ عام 2003، دأبت القبة السماوية بمكتبة الإسكندرية على إحياء هذه التجربة سنوياً. ويشرح الدكتور عمر فكري أن الطلاب يقومون بأنفسهم بقياس طول الظل وحساب زواياه، ثم تبادل النتائج مع فرق بحثية في مدن أخرى، مما يحول التجربة إلى احتفال علمي عالمي يمتد ليشمل مدارس وأندية فلكية في الجزائر، سلطنة عمان، تونس، ليبيا، وقطر.
يؤكد فكري أن الهدف يتجاوز الحسابات الرياضية؛ فهو تعليم الطلاب التفكير النقدي، والبحث عن إجابات خارج المناهج التقليدية، والاستفادة من أدوات العصر الحديث لتعزيز الفضول العلمي.
في نهاية المطاف، تبقى قصة إيراتوستينس تذكيراً بأن أعظم الاكتشافات ليست حكراً على المختبرات المعقدة، بل تبدأ من ملاحظة بسيطة، وفضول صادق، وشجاعة لطرح السؤال الصحيح في الوقت المناسب.


