قبل أن يلتقي منتخبا المكسيك وكوريا الجنوبية في مدينة غوادالاخارا، نسج البلدان -عبر عقود من التبادل الثقافي والاقتصادي- واحدة من أغرب وأمتن الصداقات على مستوى العالم، رغم المسافة التي تفصل بينهما والتي تبلغ 12 ألف كيلومتر.
البوابة كانت أغنية
لم يولد هذا الشغف فجأة، بل تشكل عبر طبقات متراكمة بدأت بالمصانع، ثم الطعام، وصولاً إلى موسيقى البوب الكوري التي كانت البوابة الرئيسية للشباب المكسيكي نحو اللغة والثقافة الكورية. وتنتشر اليوم في شوارع مونتيري المتاجر التي تبيع مجسمات نجوم بي تي إس وستراي كيدز، مما يعكس توغل الموجة الكورية (الهاليو) في النسيج الاجتماعي المكسيكي.
مدينة اسمها بيسكوريا
بعيداً عن الفن، كان للجانب الاقتصادي دور محوري؛ فمع افتتاح شركة كيا مصنعها في بلدة بيسكيريا قرب مونتيري عام 2016، تدفق آلاف الكوريين إلى المنطقة، حتى اكتسبت لقباً يمزج اسمها بالهوية الكورية: بيسكوريا. هذا الحضور الصناعي عزز من الاندماج الاجتماعي، حيث أصبح الكوريون جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية في تلك المناطق.
جذور ضاربة في التاريخ
تعود جذور العلاقة إلى أكثر من قرن، وتحديداً في مايو 1905، حين وصلت سفينة إلفورد وعلى متنها أكثر من ألف كوري عملوا في مزارع الهنيكين (الذهب الأخضر) في يوكاتان. ومع مرور الوقت، انصهر هؤلاء العمال في المجتمع المكسيكي، وتزوجوا من السكان المحليين، وأطلقوا على أنفسهم اسم آينيكينغ، ليضعوا حجر الأساس لصداقة شعبية تسبق العصر الحديث.
المونديال.. حين تحولت العداوة إلى أخوة
في مونديال 2018 بروسيا، توطدت العلاقة بشكل غير مسبوق؛ فبعد أن ساهم فوز كوريا الجنوبية على ألمانيا في تأهل المكسيك للدور التالي، خرجت الجماهير المكسيكية لتحمل القنصل الكوري على الأكتاف، هاتفين بعبارة: كوري، يا أخي، أنت الآن مكسيكي.
واليوم، ومع تجدد اللقاء في دور المجموعات، يجد المشجعون أنفسهم في حيرة بين الولاء لمنتخباتهم وبين المودة التي تكنها الشعوب لبعضها. ورغم الروح التنافسية التي تشتعل مع صافرة البداية، إلا أن هذه العلاقة تظل نموذجاً فريداً للتقارب الإنساني الذي يتجاوز حدود الجغرافيا والمنافسة الرياضية.


