في جنوب لبنان، تحولت أحياء بأكملها إلى مقابر مفتوحة بفعل الغارات الإسرائيلية. حسين صالح، أحد الناجين من هذه الفظائع، يروي قصة عائلته التي مُحيت بالكامل في غارة جوية استهدفت منزله في حي الثكنة بمدينة صور في السادس من مارس الماضي.
يستذكر حسين تلك اللحظات بمرارة، حيث كان قد غادر المنزل لشراء بعض الحاجيات، ليعود ويجد ركاماً لا أثر فيه لأي حياة. يقول: لم أكن بعيداً عندما سمعت الانفجارات. هرعت إلى المكان.. كان الدخان يغطي كل شيء، صرخت طلباً لعائلتي، لكنني لم أجد أحداً.
كانت الحصيلة مفجعة؛ تسعة أشخاص كانوا داخل المنزل، بينهم ثلاثة أطفال وزوجة حامل. ويصف حسين هول المشهد قائلاً: لم يكن هناك جسد واحد سليم، استغرقنا ثلاثة أيام لجمع أشلاء أحبائي.
تحذيرات من جرائم حرب
لم تكن غارة حي الثكنة حادثاً فردياً، بل جزءاً من نمط ممنهج وثقته منظمة العفو الدولية (Amnesty International) في ثلاثة هجمات إسرائيلية متزامنة بين 6 و13 مارس، أسفرت عن مقتل 24 مدنياً، بينهم 12 طفلاً و6 نساء. وتؤكد المنظمة أن هذه الهجمات يجب أن تُحقق فيها كجرائم حرب، نظراً لغياب أي أهداف عسكرية واضحة وفشل الجيش الإسرائيلي في اتخاذ احتياطات لحماية المدنيين.
وفي هذا السياق، تقول سحر مندور، الباحثة في شؤون لبنان لدى منظمة العفو الدولية: لم يكن هناك هدف ظاهر، ولم يتم توجيه أي تحذير فعال. لقد محت القوات الإسرائيلية عائلات بأكملها، مما يعكس استهتاراً صارخاً بحياة المدنيين.
حصيلة إنسانية كارثية
تشير الأرقام الرسمية الصادرة عن الحكومة اللبنانية إلى مقتل ما لا يقل عن 4250 شخصاً، بينهم أكثر من 250 طفلاً، منذ تصاعد العمليات العسكرية في مارس الماضي. ويرى مراقبون أن استمرار هذه الهجمات في ظل غياب المساءلة الدولية يعزز سياسة الإفلات من العقاب.
من جانبه، يؤكد المسعف موسى شعلان، الذي شارك في عمليات انتشال الضحايا، أن المشاهد في جنوب لبنان تتكرر بشكل مأساوي: كانت الأشلاء متناثرة على مسافة تصل إلى 200 متر من موقع الانفجار. لقد رأينا هذا في قانا وصريفا وبرج الشمالي، حيث جمعنا أشلاء 14 شخصاً في غارة واحدة.
ادعاءات التحذير المسبق
رغم إصدار الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء قسرية لسكان جنوب لبنان في الخامس من مارس، يرى حقوقيون أن هذه الأوامر لا تعفي إسرائيل من مسؤولياتها القانونية، حيث لم تكن كافية لضمان سلامة المدنيين، خاصة العائلات التي تعاني من ظروف صحية تمنعها من النزوح السريع.
يختم حسين صالح بكلمات تعبر عن مأساة جيل كامل: العدو قادر على تنفيذ ضربات دقيقة، لكنه اختار قتل النساء والأطفال. لقد دمروا حياتي بالكامل، ولم يتركوا لي سوى أطلال منزلي الذي أبحث فيه يومياً عن أثر أو لعبة تعيد لي ذكرى ابنتي سارة.


