في أعماق الغابات المطيرة بجزيرة بورنيو الماليزية، وثّق علماء الفطريات اكتشافاً بيولوجياً استثنائياً لنوع جديد من الفطريات الطفيلية، يتميز ببنية تكاثرية فريدة تشبه القرون، ويتبع سلوكاً لم يسجل من قبل لدى أي نوع معروف ضمن جنسه، حيث أطلق عليه اسم بليوروكورديسيبس كورنوسينيماتا (Pleurocordyceps cornu-sinemata).
تم التعرف على هذا النوع خلال مسح ميداني في منطقة وادي دانوم المحمية، بعد فحص نملة نافقة كانت ضحية لسلسلة معقدة من التطفل. وقد نُشر الوصف العلمي لهذا الكائن في دورية فيتوتكسا (Phytotaxa) المتخصصة.
طفيلي فائق يغير قواعد اللعبة
يوضح عالم الفطريات جايا سيلان ساتهيا سيلان، نائب مدير البحث والابتكار، أن ما يميز هذا الفطر هو كونه طفيلياً فائقاً (Hyperparasite) عالي التخصص؛ فهو لا يستهدف الحشرة مباشرة، بل يهاجم الفطريات الممرضة التي تسيطر على الحشرات، والمعروفة بـ فطريات الزومبي.
هذا التفاعل البيئي يخلق سلسلة غذائية من ثلاثة مستويات: الحشرة المضيفة، ثم الطفيلي الأول (فطر الزومبي) الذي يغزوها، ثم الطفيلي الثالث (بليوروكورديسيبس) الذي يتغذى على الفطر الأول. ويعد هذا التوثيق الأول من نوعه عالمياً لفطر ذي بنية قرنية يستهدف فطراً ممرضاً للحشرات.
البنية القرنية: سر التكيف
اشتق اسم الفطر من تراكيب السينيماتا، وهي أعمدة مدمجة من الخيوط الفطرية تشبه القرون. ويرجح الباحثون أن هذه البنية ليست مجرد سمة شكلية، بل هي تكيف متطور يسمح للفطر بالنمو فوق جسم المضيف وإطلاق أبواغه بكفاءة عالية في بيئة الغابات الكثيفة، وهو ما يجعله متميزاً عن أقاربه في الصين وتايلاند واليابان.
أهمية تتجاوز التصنيف العلمي
يرى الباحثون أن هذا الاكتشاف يفتح آفاقاً جديدة في فهم توازن النظم البيئية، حيث تلعب هذه الطفيليات الفائقة دوراً في كبح هيمنة أنواع معينة من الفطريات الممرضة. وبالإضافة إلى قيمته البيئية، يمتلك الفطر إمكانات واعدة في مجالات الطب والزراعة.
يعمل الفريق البحثي حالياً على تحليل المركبات الكيميائية الثانوية التي ينتجها الفطر، بعد أن أظهرت النتائج الأولية قدرته على تثبيط بعض مسببات الأمراض النباتية. ويأمل العلماء في عزل هذه المركبات لتطوير مبيدات حيوية مستدامة، أو استكشاف خصائصها الطبية المحتملة كمضادات للبكتيريا أو السرطان.


