قد يبدو الأمر تفصيلاً بسيطاً في جدول العمل اليومي، لكن دقائق قليلة بين الاجتماعات قد تكون الفارق بين يوم منظم وآخر مليء بالتوتر والتأخير. يعيش كثير من الموظفين السيناريو نفسه: يبدأ اجتماع مدته نصف ساعة، يمتد لدقائق إضافية بسبب نقاش أخير، ثم ينتقل الجميع مباشرة إلى اجتماع جديد دون وقت لالتقاط الأنفاس أو مراجعة الملاحظات.
هذه الدقائق الضائعة تتراكم يومياً لتخلق ما يعرف بـ إرهاق الاجتماعات (Meeting Fatigue)، حيث يصبح الموظف في حالة انتقال مستمر بين المحادثات دون فرصة لمعالجة المعلومات أو إنجاز المهام الفردية.
عندما يتحول جدول الاجتماعات إلى سباق مستمر
توضح أبحاث في علم النفس التنظيمي أن الاجتماعات تستهلك طاقة ذهنية كبيرة عبر عمليات الاستماع، وتحليل المعلومات، واتخاذ القرارات. فعندما ينتهي اجتماع ويدخل الموظف مباشرة في آخر، لا يحصل الدماغ على الفترة الانتقالية اللازمة لما يسمى وقت المعالجة، وهي فترة ضرورية لترتيب الأفكار وتسجيل القرارات.
الحل البسيط: تقليص المدة تلقائياً
تقترح شركات التكنولوجيا حلاً عملياً عبر تقليل مدة الاجتماعات افتراضياً؛ ففي غوغل كالندر توجد ميزة الاجتماعات السريعة، بينما يقدم مايكروسوفت أوتلوك خيار إنهاء الاجتماعات مبكراً. تهدف هذه الميزة إلى تحويل الاجتماع الذي كان محدداً بـ 30 دقيقة إلى 25 دقيقة، ما يمنح الموظفين مساحة لتسجيل النقاط المهمة أو أخذ استراحة قصيرة.
لماذا نحتاج إلى فواصل بين المهام؟
يرى خبراء الإنتاجية أن المشكلة تكمن في تكلفة التبديل (Switching Cost)، وهي الطاقة التي يستهلكها الدماغ عند الانتقال من موضوع إلى آخر. فعند الانتقال من اجتماع مالي إلى اجتماع تسويقي، يحتاج الدماغ إلى وقت لإعادة ضبط السياق. وقد وجدت دراسات نُشرت في مجلة كوغنيشن (Cognition) أن التبديل المستمر بين المهام يضعف الأداء ويزيد الوقت المطلوب لإنجاز الأعمال.
الاجتماعات الطويلة ليست دائماً أكثر إنتاجية
هناك اعتقاد شائع بأن الاجتماع الأطول يعني نتائج أفضل، لكن الواقع يشير إلى قانون باركنسون، حيث يميل العمل إلى التوسع ليملأ الوقت المتاح له. وغالباً ما ينتهي اجتماع مدته ساعة بالنتائج نفسها التي كان يمكن تحقيقها في نصف ساعة، ولكن مع استهلاك أكبر للوقت والطاقة.
كيف نغير ثقافة الاجتماعات؟
بدأت مؤسسات عديدة في إعادة تقييم ثقافة الاجتماعات، خاصة مع انتشار العمل عن بُعد، من خلال تبني قواعد صارمة تشمل:
- ضرورة وجود جدول أعمال واضح قبل الاجتماع.
- دعوة الأشخاص الضروريين فقط.
- تحديد قرار أو نتيجة مطلوبة لكل اجتماع.
- إنهاء الاجتماع بمجرد تحقيق الهدف.
إن تخصيص دقائق قليلة بين الاجتماعات لا يهدف فقط إلى الراحة، بل إلى منح الموظف فرصة للانتقال بين المهام بوعي أكبر، مما يضمن يوماً عملياً أكثر إنتاجية وأقل توتراً.


