سباق مع الزمن لإنقاذ ذاكرة الصومال: رقمنة 400 ألف ساعة من أرشيف إذاعة مقديشو

سباق مع الزمن لإنقاذ ذاكرة الصومال: رقمنة 400 أل

في غرفة مكيفة بقلب العاصمة الصومالية، تقبع آلاف الأشرطة المسجلة على رفوف فولاذية، مغطاة بطبقات من الغبار، لكنها تحمل في طياتها ملامح الهوية الصومالية وتاريخ القرن العشرين. إنها أرشيف إذاعة مقديشو، التي تسابق الزمن اليوم لإنقاذ محتواها من التلف والضياع.

يعكف فريق من الأرشيفيين، بقيادة عبد القادر جيدي روبلي، على عملية معقدة لرقمنة نحو 400 ألف ساعة من البث الإذاعي، الذي يعود تاريخ بعضه إلى أوائل الخمسينيات. تتنوع المواد المسجلة بين نشرات الأخبار، والخطابات السياسية، والأعمال الدرامية، والموسيقى التي شكلت وجدان الشعب الصومالي.

Abdiqadir
عبد القادر جيدي روبلي يجهز أحد الأشرطة القديمة لعملية الرقمنة.

مخزن الذاكرة الوطنية

تأسست إذاعة مقديشو عام 1951 إبان الحقبة الاستعمارية الإيطالية، لتصبح الصوت الأكثر تأثيراً في شرق أفريقيا. يقول روبلي: هذا هو أكبر مخزن في العالم للموسيقى والثقافة والدراما الصومالية، وهو حالياً محبوس كأنه في سجن. نعمل على حفظه وإتاحته للجمهور في المستقبل.

تشير التقديرات إلى أن 85% من الأشرطة لا تزال صالحة للاستخدام، بينما تضرر نحو 10% منها بفعل الزمن، وفُقد أكثر من 5% نتيجة الحرائق والنزاعات المسلحة التي شهدتها الصومال، لا سيما خلال الحرب الأهلية في التسعينيات.

Thousands
آلاف الأشرطة تملأ رفوف أرشيف إذاعة مقديشو وتحفظ عقوداً من التاريخ الصومالي.

مشروع دولي للحماية

في يونيو الماضي، أطلقت وزارة الإعلام الصومالية بالتعاون مع منظمة اليونسكو ورشة عمل كبرى لتدريب الأرشيفيين، بهدف إدراج محتويات الإذاعة ضمن برنامج ذاكرة العالم التابع للمنظمة الدولية. ويؤكد غويليرمي كانيلا، المسؤول في اليونسكو، أن حماية هذه المادة ليست شأناً صومالياً فحسب، بل هي إرث يهم العالم أجمع.

An
جهاز تسجيل قديم يُستخدم في رقمنة الأشرطة.

منصة النجوم والسياسة

كانت الإذاعة بمثابة مصنع للنجوم في الصومال، حيث كانت المنصة الأولى لكل شاعر وموسيقي ومسرحي. كما لعبت دوراً محورياً في التعبئة الوطنية إبان الحقبة الاشتراكية في عهد سياد بري، وبثت برامج بلغات أجنبية، بما في ذلك الأورومو والسيداما، دعماً لقضايا التحرر ومناهضة الاستعمار.

ويوضح المؤرخ إيمان محمد أن الإذاعة كانت الأداة الأهم لخلق مجال عام مشترك في مجتمع يقدر الرواية الشفهية. ويضيف: دمرت الحرب الأهلية الكثير من السجلات، والاعتماد على هذا الأرشيف هو السبيل الوحيد لتعريف الأجيال الشابة بعالم لم يعاصروه.

Robleh
روبلي يشير إلى ملصق على شريط أغنية عاطفية سُجلت عام 1974.

ورغم التحديات الأمنية ونقص الموارد، يواصل مدير المحطة عبدي جيتي وفريقه العمل على تحويل هذا التاريخ الرقمي، مؤكداً أن 10% فقط من الأرشيف قد تم تحويله رقمياً حتى الآن، مما يجعل الطريق أمامهم طويلاً لضمان بقاء صوت الصومال مسموعاً عبر الأجيال.

Siad
الرئيس الصومالي الراحل سياد بري استخدم الإذاعة كأداة رئيسية لنشر رسائل نظامه.
Portraits
صور رؤساء الصومال تزين جداراً فوق مدخل الأرشيف في الإذاعة.
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص