على مدى نصف قرن، ظلت جزيرة ياروس اليونانية مغلقة أمام العالم، حيث استُخدمت سجناً عسكرياً وميداناً للرماية البحرية، مما أضفى عليها لقب جزيرة الشيطان. ولكن، بعيداً عن صخب التنمية البشرية، كانت الجزيرة تخبئ في طياتها تحولاً بيئياً مذهلاً.
تظهر ياروس ككتلة صخرية مقفرة وسط بحر إيجه، ولا تزال آثار السجن القديم المبني من الطوب الأحمر شاهدة على ماضٍ قسري. وعلى عكس الجزر المجاورة التي تعج بالسياحة والمنازل البيضاء، تبدو ياروس خالية من مظاهر الحياة التقليدية، لكن هذا الغياب البشري كان هو المفتاح الذي منحها أقوى أشكال الحماية البيئية.
ملاذ آمن للفقمات النادرة
في عام 2004، التقط صياد هاوٍ صورة غيرت نظرة العالم للجزيرة، حيث أظهرت فقمة راهب متوسطية مع صغيرها على شاطئ مكشوف، وهو مشهد نادر للغاية لهذا النوع المهدد بالانقراض. أدى هذا الاكتشاف إلى إرسال بعثات علمية كشفت عن وجود مستعمرة ضخمة تضم نحو 70 فقمة، تتخذ من شواطئ وكهوف الجزيرة ملاذاً هادئاً بعيداً عن اضطرابات البشر.
يؤكد خبراء البيئة أن عزلة الجزيرة الطويلة سمحت للفقمات باستعادة سلوكها الطبيعي؛ فهي هنا لا تعيش في حالة تأهب دائم كما هو الحال في المناطق المأهولة، بل تعيش في بيئة مسترخية ومستقرة.
تنوع بيولوجي غني
بعد تحويلها إلى منطقة بحرية محمية رسمياً في عام 2019، أصبحت ياروس نموذجاً للحفاظ على البيئة. وقد أظهرت الدراسات الحديثة أن المياه المحيطة بالجزيرة تضم أكثر من 130 نوعاً بحرياً، بفضل حظر الصيد الذي فُرض تدريجياً. وتُشير النتائج إلى أن الأسماك داخل هذه المنطقة أكبر حجماً وأكثر عدداً مقارنة بالمناطق المجاورة.
ملاذ لطائر الشيرووتر
لا تقتصر أهمية الجزيرة على الحياة البحرية، فهي تؤوي أيضاً ثاني أكبر مستعمرة في العالم لطيور جلم الماء الييلكوانية المهددة بالانقراض، والتي تعتمد على الشقوق الصخرية الوعرة للتعشيش. ومع ذلك، تواجه هذه الطيور تحديات بسبب دخول كائنات غازية مثل الجرذان والخنازير المتوحشة، مما دفع السلطات للبدء في حملات تخلص عاجلة لحماية هذا النظام البيئي الهش.
مستقبل الحماية
في أبريل 2026، منح مرسوم رئاسي الجزيرة أعلى مستوى من الحماية القانونية الدائمة. ومع ذلك، يشدد العلماء على أن حماية ياروس وحدها لا تكفي ما لم تتوسع هذه الجهود لتشمل نطاقاً أوسع في البحر المتوسط، الذي يعاني من ضغوط الملاحة وموجات الحر البحرية والصيد الجائر.
تظل ياروس اليوم رمزاً للأمل، حيث أثبتت أن الطبيعة قادرة على التعافي والازدهار إذا ما أُتيحت لها الفرصة، بشرط وجود إدارة فعلية والتزام جماعي بحماية هذا الإرث الطبيعي الفريد.


