سميحة خريس في مشوار مع بيسوا: حين تتحول اللاطمأنينة إلى بوصلة وجودية

سميحة خريس في مشوار مع بيسوا: حين تتحول اللاطمأن

يتجاوز كتاب مشوار مع بيسوا للأديبة سميحة خريس التصنيفات الأدبية التقليدية، ليقدم نصاً متشابكاً يتأرجح بين القراءة النقدية، السيرة الذاتية، والحوار المتخيل. إننا أمام تجربة وجودية مزدوجة، تستحضر قلق الكاتب البرتغالي فرناندو بيسوا لتجعله مرآة للذات العربية الباحثة عن توازن وسط عالم فقد يقينه.

اللاطمأنينة كفلسفة وجود

تتخذ خريس من اللاطمأنينة التي جسدها بيسوا مركزاً فلسفياً، لكنها تنقلها من فضاء التجريد البارد إلى جسد حي ينبض بالألم والخسارة. فبينما يرى بيسوا في اللاطمأنينة حالة وجودية، تحولها خريس إلى ضرورة أخلاقية في مواجهة الفقد والحروب وانهيار الأيديولوجيات. إنها آلية البقاء الوحيدة التي تمنع الإنسان من الكذب على نفسه في زمن تداعت فيه الأوهام الكبرى.

الروائية
الروائية سميحة خريس

تعدد الذات: بين التفكيك والحماية

على عكس بيسوا الذي مضى في تفكيك الذات وتفجيرها من الداخل عبر تعدد الشخصيات، تختار خريس طريقاً أكثر حذراً. هي تدرك إغراء الانفلات من وحدة الأنا، لكنها ترى في الحفاظ على تماسك الذات ضرورة وجودية لا يمكن التنازل عنها. هذا التباين يعكس اختلافاً ثقافياً عميقاً؛ فبيسوا ابن سياق أوروبي عاش تفكك اليقين، بينما خريس ابنة واقع مضطرب يجعل من الذات حصناً أخيراً ضد السقوط في هاوية بلا قاع.

اللغة ككيان حي

في رؤيتها للغة، ترفض خريس التعامل مع الكلمات كأدوات استهلاكية. بالنسبة لها، اللغة كيان حي يوازي الجسد، وأي استخفاف بها هو عنف ضد بنية الوعي. تشير الكاتبة إلى أن الإتقان هو الشرط الوحيد للابتكار، وأن كسر القواعد يجب أن ينبع من معرفة عميقة لا من العجلة أو اللامبالاة.

Fernando
الأديب فرناندو بيسوا: أيقونة أدبية في القرن العشرين

القراءة كمسار وجودي

تختتم خريس تأملاتها بالنظر إلى القراءة كرحلة تحول؛ فمن دهشة البدايات إلى وعي التمييز والانتقاء، يصبح القارئ أكثر قدرة على مواجهة النصوص، لكنه في الوقت ذاته يخسر شيئاً من متعته الأولى. إن كتاب مشوار مع بيسوا ليس مجرد حوار أدبي، بل هو محاولة جادة من الكاتبة لإعادة صياغة ذاتها ومحيطها، منطلقة من تفاصيل الحياة اليومية البسيطة وصولاً إلى أكثر الأسئلة الوجودية تعقيداً.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص