لعقود طويلة، ظلت مجرة قنطورس أ (Centaurus A) واحدة من أكثر الألغاز المحيرة في الكون القريب، حيث يلفها حزام كثيف من الغبار الكوني الذي يحجب مركزها ويخفي أسرارها الفيزيائية. اليوم، يفتح تلسكوب جيمس ويب الفضائي فصلاً جديداً في دراسة هذه المجرة، ملتقطاً أوضح صورة لها على الإطلاق، لتكشف عن آثار معركة كونية عنيفة وقعت قبل ملياري عام.
نافذة بالأشعة تحت الحمراء تخترق الغبار
تقع مجرة قنطورس أ (NGC 5128) على بعد نحو 11 مليون سنة ضوئية من الأرض، وتعد مختبراً مثالياً لدراسة تطور المجرات. في السابق، فشلت التلسكوبات الأرضية وحتى التلسكوبات الفضائية السابقة مثل هابل وسبيتزر في رؤية ما وراء سحب الغبار الكثيفة التي تحيط بقلب المجرة.
وبفضل قدرات جيمس ويب المتطورة في نطاق الأشعة تحت الحمراء المتوسطة، تمكن العلماء من اختراق هذه السحب، لتظهر النواة متوهجة بألوان بيضاء وزهرية، مع رصد خيوط غازية دافئة لم تكن مرئية من قبل.
بقايا اصطدام تاريخي
تشير التحليلات العلمية للصورة الجديدة إلى وجود تشوهات في مركز المجرة، حيث تظهر بنية تشبه متوازي الأضلاع، تتداخل معها أشرطة وردية وبنفسجية تتخذ شكل حرف S. يرجح الفلكيون أن هذه التشكيلات هي آثار مباشرة لاصطدام عنيف وقع قبل ملياري عام بين قنطورس أ ومجرة أخرى، وهو حدث أدى إلى إعادة توزيع الغاز والغبار وتحفيز موجات ولادة نجوم جديدة.
الثقب الأسود.. مهندس المجرة
تلقي الصور الضوء أيضاً على العلاقة المعقدة بين الثقب الأسود الهائل في مركز المجرة وبيئته. فالمادة التي تنجذب نحو الثقب الأسود تولد نفاثات طاقة هائلة، تعمل على ضغط السحب الغازية لتكوين نجوم جديدة في مناطق، بينما تمنع ولادة النجوم في مناطق أخرى بسبب طاقتها التدميرية. هذا الدور المزدوج يجعل من الثقوب السوداء عناصر تحكم رئيسية في نمو وتطور المجرات.
تأتي هذه الاكتشافات في وقت يقترب فيه تلسكوب جيمس ويب من إتمام عامه الرابع من العمليات العلمية، حيث يواصل التلسكوب تقديم رؤى غير مسبوقة للكون، مع توقعات باستمرار مهمته لعقدين قادمين لإعادة صياغة فهمنا لتاريخ تشكل المجرات.


