تعيد تقنيات الذكاء الاصطناعي صياغة قواعد الاشتباك في الحروب المعاصرة، حيث تحولت ساحات المعارك من ميادين يقودها البشر إلى بيئات تسيطر عليها الخوارزميات، بدءاً من الطائرات المسيرة ذاتية القيادة وصولاً إلى أنظمة القيادة والسيطرة المتقدمة. هذا التحول التكنولوجي يقلص دور صناع القرار في غرف العمليات، مفسحاً المجال لسرعة الآلة في حسم الأهداف.
تعتمد الجيوش اليوم على منظومات متطورة مثل نظام مافن الذكي (Maven Smart System)، الذي يُستخدم لتحليل البيانات وتحديد الأهداف وضربها في ثوانٍ معدودة. وعلى الرغم من ادعاءات الكفاءة، إلا أن هذه الأنظمة أثارت جدلاً واسعاً، لا سيما بعد تقارير عن أخطاء تقنية أدت إلى استهداف مواقع مدنية، مثل حادثة مدرسة ميناب التي راح ضحيتها عشرات الأطفال، حيث أُرجع السبب إلى الاعتماد على بيانات استخباراتية قديمة عالجها الذكاء الاصطناعي دون تدقيق بشري كافٍ.
الذكاء الاصطناعي في ساحة المعركة: السرعة مقابل الحكمة
تشهد ميزانيات الدفاع العالمية نمواً متسارعاً في الإنفاق على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث تسعى القوى العسكرية الكبرى للتحول إلى قوة قتالية تعتمد على الذكاء الاصطناعي أولاً. ويهدف هذا التوجه إلى ضغط ما يعرف بـ حلقة أودا (OODA loop) —وهي نموذج اتخاذ القرار المكون من الملاحظة، التوجيه، القرار، والفعل— لضمان أسبقية التحرك على الخصم.
تستخدم الجيوش منصات مثل مافن لدمج بيانات هائلة من الأقمار الصناعية، طائرات الدرون، إشارات الرادار، ومواقع التواصل الاجتماعي، لتحويلها إلى قوائم أهداف لحظية. وقد أصبح دمج نماذج لغوية متقدمة، مثل كلود من شركة أنثروبيك، جزءاً من هذه المنظومة التكنولوجية لتمكين القادة من الاستعلام عن البيانات بلغة طبيعية.
This is Maven Smart System—Palantir’s software as a service product that we are deploying across the entire department. pic.twitter.com/hIaQAiq4iJ
— Palantir (@PalantirTech) March 12, 2026
تآكل الحكم البشري والمعضلات الأخلاقية
رغم تأكيدات وزارات الدفاع بأن الإنسان يظل صاحب القرار النهائي في الضغط على الزناد، يرى أكاديميون وخبراء أخلاقيات الحروب أن هذه الأنظمة تفرض ضغوطاً تجعل من القرار الأخلاقي أمراً مستحيلاً. تشير إلكه شوارز، أستاذة النظرية السياسية، إلى أن الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى مفهوم المعاناة أو قيمة الحياة البشرية، وأن اعتماد أنظمة القتل على السرعة والبيانات الضخمة يلغي المساحة اللازمة للتدبر الأخلاقي والقانوني.
Update from CENTCOM Commander on Operation Epic Fury: pic.twitter.com/5KQDv0Cfxs
— U.S. Central Command (@CENTCOM) March 11, 2026
تؤكد الدراسات أن تفويض المهام للذكاء الاصطناعي يخلق مسافة أخلاقية تزيد من استعداد البشر لارتكاب أفعال عنيفة كانوا سيترددون في القيام بها لو كانت المسؤولية مباشرة. ومع تزايد الاعتماد على هذه التقنيات، يظل السؤال معلقاً: هل يمكن للآلة أن تكون حكماً أخلاقياً، أم أنها مجرد أداة تزيد من حدة الحروب وتجريدها من إنسانيتها؟


