أفرزت الانتخابات الداخلية لحركة حماس فوز خليل الحية برئاسة المكتب السياسي للحركة، وذلك بعد جولة إعادة حاسمة أمام خالد مشعل انتهت بنتيجة 35 مقابل 34 صوتاً. هذا الفوز، الذي جاء بعد نحو عامين من القيادة الجماعية، لا يمثل مجرد ملء لمنصب شاغر، بل يعكس تحولات عميقة في بنية الحركة وتحدياتها في ظل استمرار الحرب الإقليمية وتصاعد تأثير العلاقة مع طهران.
من غزة إلى الشتات: رحلة هيكلية معقدة
عند تأسيس حماس في ديسمبر 1987، كانت هيكلية القيادة بسيطة ومتركزة في غزة، حيث اتخذ المكتب التنفيذي قرار التحول من تنظيم الإخوان المسلمين إلى حركة المقاومة الإسلامية. إلا أن الملاحقات الأمنية الإسرائيلية والضربات التي استهدفت الصف الأول من القيادات دفعت الحركة نحو تدويل قيادتها، مما أدى إلى انتقال تدريجي لمركز الثقل نحو الشتات.
تحت قيادة خالد مشعل، اعتمدت الحركة هيكلية ثلاثية (غزة، الضفة الغربية، والشتات)، وهو ما ساهم في توسيع شبكة العلاقات الدولية، لا سيما خلال فترة إقامة القيادة في دمشق، حيث تشكلت ملامح محور المقاومة الذي يضم إيران وسوريا وحزب الله.
الربيع العربي وتصدع المسارات
شكلت أحداث الربيع العربي نقطة تحول مفصلية في مسار الحركة؛ إذ أدى رفض حماس الانحياز للنظام السوري إلى مغادرتها دمشق نحو الدوحة، وهو ما أحدث شرخاً في العلاقات مع طهران لفترة من الزمن. ومع تعاقب الأزمات السياسية الإقليمية، بدأت تظهر فجوات داخلية نتيجة تباين الرؤى حول التمويل والتحالفات الاستراتيجية، حيث سعت إيران لاحقاً إلى تعزيز نفوذ التيارات الأكثر قرباً منها داخل الحركة.
تحدي خليل الحية: وحدة الصف أم ترسيخ الانقسام؟
يُنظر إلى فوز خليل الحية بفارق صوت واحد كدليل على انقسام عميق داخل أروقة الحركة. فبينما يرى البعض في هذا الفوز انتصاراً للمعسكر الموالي لطهران، يشدد مراقبون على أن النتيجة المتقاربة لا تمنح تفويضاً كلياً لتيار على حساب آخر.
يواجه الحية اليوم تحدياً وجودياً يتجاوز إدارة المرحلة الراهنة؛ وهو العمل على ترميم الصدع الداخلي الذي اتسع على مدى أكثر من عقد، وإعادة توحيد التيارات المتنافسة للحفاظ على استقلالية القرار السياسي للحركة. إن نجاح الحية في هذه المهمة سيحدد ما إذا كانت هذه الانتخابات بداية لمرحلة من التماسك، أم خطوة إضافية في ترسيخ هيمنة تيار على حساب تماسك الحركة ككل.


