في مشهد يعكس إصرار مدينة أم درمان على استعادة روحها، عادت المكتبات لتفتح أبوابها في سوق البوستة العريق، بعد توقف قسري استمر 3 سنوات جراء الحرب التي عصفت بالبلاد. العودة لم تكن مجرد نشاط تجاري، بل مثلت نبضاً ثقافياً أعاد للمدينة جزءاً من هويتها الفكرية.
يقف الأمير كباشي، ممثل أصحاب المكتبات، بين جدران المجمع التي تحمل آثار الدمار، مستذكراً رحلة النزوح التي انتهت بالعودة إلى المكان الذي شكّل لسنوات طويلة ذاكرة الوعي والثقافة. يرى كباشي أن إعادة فتح المحلات هي بمثابة إعادة الروح للمكان، حيث يرى في الكتاب جسراً يربط الناس بالمعرفة بعيداً عن صراعات الواقع.
خسائر فادحة وإرادة صلبة
يعد سوق البوستة، المجاور لمبنى البريد والبرق، مركزاً ثقافياً وتجارياً امتد لأكثر من قرنين. اليوم، وبين أزقته الضيقة، عادت الطاولات الصغيرة لتفرش الكتب والمجلدات القديمة والحديثة، في محاولة لترميم النسيج الثقافي للمدينة.
عبد الحليم عبد الرحمن، أحد أصحاب المكتبات، يشير إلى أن حجم الخسائر المادية تجاوز 15 مليون جنيه سوداني، لكنه يؤكد أن العودة رسالة بأن الثقافة قادرة على الصمود. يضيف عبد الحليم: الإقبال من الفئات الشابة فاجأنا بشكل إيجابي، مما يؤكد أن الكتاب لا يزال يحتفظ بجاذبيته.
تحديات الواقع وآمال المستقبل
رغم الإصرار على العودة، يواجه أصحاب المكتبات تحديات اقتصادية حقيقية. يوضح ماهر زهير، صاحب مكتبة، أن القدرة الشرائية للمواطنين تأثرت بشكل كبير بسبب ظروف الحرب، مشيراً إلى أن معظم المكتبات لم تعد بعد إلى موقعها الأصلي، حيث لا يزال الكثير منها يعمل في مناطق أخرى مثل سوق صابرين.
وفي كشك صغير، يوضح وليد كامل أن مبادرتهم بفتح المحلات كانت تهدف لتشجيع الآخرين على العودة وكسر حاجز الخوف واليأس. هذا الشعور بالأمل تشاطره الطالبة الجامعية سارة محمد، التي وصفت عودة المكتبات بأنها استعادة لذكريات الطفولة، وفرصة للأجيال الجديدة للانفتاح على الفكر والمعرفة من جديد.


