في استعادة لمسيرة القائد الراحل، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تبرز شهادات حية توثق جانباً غير معلن من اهتمامه العميق بموريتانيا، متجاوزاً البروتوكولات الرسمية إلى رؤية استراتيجية طموحة استهدفت نقل البلاد نحو آفاق الحداثة والتنمية.
رؤية استشرافية تتجاوز التقليد
تستعرض هذه الشهادة، التي يرويها أحد المطلعين على ملفات التعاون الثنائي في تلك الفترة، كيف كان الأمير الراحل يطرح أفكاراً جريئة، منها طموحه لتحويل مدينة شنقيط التاريخية إلى مركز حيوي بآلاف السكان، وبناء صرح برلماني يعكس قيم الشورى في قالب ديمقراطي حديث.
واضح أن الأمير رسم، ما بين الضفتين، لوحة ذهبية مركبة عن شنقيط المضمخة بعبق التاريخ، وموريتانيا المتحفزة لافتراع أفق الحداثة من بوابة الديمقراطية، بطبعة عربية نادرة.
إدارة الملفات: الجدية والسرعة في الإنجاز
لم تكن وعود الأمير مجرد كلمات عابرة، فقد حرص على تذليل العقبات البيروقراطية من خلال تعيين نقاط اتصال مباشرة لمتابعة المشاريع الحيوية، مثل بناء المطار الدولي، وتطوير البنية التحتية السياحية، والمشاريع الزراعية الرامية لتحقيق الأمن الغذائي.
عاد الأمير ليؤكد انفتاحه على موريتانيا واستعداده للمضي بعيدا في التعاون معها، وطلب إعداد ملفات المشروعات الملحة، قبل أن يطرح فكرة أخرى غير تقليدية: لا نريد أن تتيه ملفاتنا في دهاليز الإدارة. نريد أن تعينوا شخصا واحدا يكون مسؤولا عن جميع ملفات التعاون من طرفكم، وسنفعل نفس الشيء من طرفنا.
استشراف المستقبل بعين المتفائل
كان للأمير الراحل إيمان راسخ بمكانة موريتانيا كمحور ربط استراتيجي بين القارات، حيث كان يرى في نواكشوط بوابة واعدة للخطوط القطرية وللاستثمارات الكبرى. وقد تجلى ذلك في توجيهاته للقطاع الخاص القطري بضرورة مواكبة الدولة الموريتانية في طموحها التنموي.
لأنه كان يرى هذا المستقبل بعين متفائلة، فقد أخبرنا أنهم مستعدون لبناء المطار الدولي الجديد، مع شبكة من المرافق السياحية الداعمة، لتكون نواكشوط -كما يراها- نقطة ربط محورية بين الأمريكتين وآسيا، بل وبين أوروبا وأفريقيا أيضا، ولتستفيد الخطوط القطرية من هذه الميزة.
إن إرث الأمير الراحل في موريتانيا لم يكن مجرد صفقات أو مشاريع، بل كان تجسيداً لشخصية قيادية غير نمطية، استطاعت بوعيها السياسي وفكرها غير التقليدي أن تحفر اسماً خالداً في ذاكرة البلد، مؤكدة أن الأثر الطيب هو العمر الثاني للإنسان.


