أرى زوجتي السابقة بجمالها الحزين وفستانها الأبيض يوم الطلاق… وأتساءل: هل سامحتني حقا؟ أم أن مرارتها لا تزال في الأعماق، فنالني من ظلمي لها ما نالني؟
هذه العبارة ليست من نتاج عيادة نفسية حديثة، بل رسالة نُشرت عام 1989 في بريد الجمعة بصحيفة الأهرام؛ تلك الصفحة التي كانت مرآةً لآلام المصريين. اليوم، ومع اجتياح ما يُعرف بـالخطاب النفسي لحياتنا عبر البودكاست، ومنصات التواصل، وكتب المساعدة الذاتية، طرأ تحول جذري على لغتنا؛ لم نعد نصف آلامنا كأحداث إنسانية، بل كـتشخيصات طبية، وهو ما يسميه الباحثون بـالزحف المفاهيمي.
اللغة ليست مجرد وصف.. إنها إعادة خلق
الكلمات ليست مفردات محايدة؛ فإذا وصفت حادث سيارة بأنه محنة، فأنت تضعه في سياق القدر والابتلاء، أما إذا وصفته بـتروما (صدمة)، فأنت تحيله فوراً إلى مسار التعافي التقني والمخاوف النفسية. هذا التبدل في المفردات لا يغير طريقتنا في الكلام فحسب، بل يعيد تشكيل تجربتنا ذاتها، ويفرض علينا أطراً تفسيرية قد تطمس أبعاداً وجودية أو أخلاقية للحدث.

من بريد الجمعة إلى الخطاب العلاجي
في الماضي، كان الناس يروون معاناتهم من خلال أدوارهم الاجتماعية (أم، ابن، موظف) وفي سياق وجودي يربط الإنسان بالعالم. أما اليوم، فقد جرى تطهير المشكلات البنيوية والاجتماعية، ليصبح الفقر أو ضغوط العمل احتراقاً وظيفياً أو اضطراباً نفسياً، مما يحول الفرد من مواطن يطالب بالعدالة إلى عميل يحتاج لمهارات إدارة الضغوط.
تأثير التأثير الحلقي
يشير الفيلسوف إيان هاكينغ إلى أن البشر يتفاعلون مع التصنيفات التي تُطلق عليهم. فعندما نتبنى مصطلحات مثل الإهمال العاطفي أو النرجسية لوصف ماضينا، فإننا لا نكتشف حقائق مخبأة، بل نعيد كتابة ذكرياتنا لتطابق القالب الجاهز. هذا التأثير يجعل الفرد بوعي أو بدون وعي يمتثل لـسكربت (سيناريو) المصطلح، محولاً معاناته إلى حالة طبية معزولة عن سياقها الإنساني الواسع.

الحب بوصفه اضطراباً
حتى العواطف لم تسلم من هذا التنميط؛ فبدلاً من لغة الغرام والاشتياق، صار الناس يصفون علاقاتهم بـالتعلّق المرضي أو ضعف الحدود. الثقافة العلاجية اليوم تقدّم الحب كآلية لـإشباع الاحتياجات الذاتية، وهو ما يفرغ العلاقة من جوهرها الإنساني القائم على التضحية والعطاء المتبادل، ليحولها إلى ميزان للحسابات النفسية.

في الختام، ليست المشكلة في علم النفس كعلم، بل في هيمنة لغته التقنية على تفاصيل حياتنا اليومية. حين نختزل وجودنا المعقد في أعراض وتشخيصات، فإننا نخاطر بخسارة صلتنا بالعالم، ونحجب عن أعيننا أبعاداً إنسانية ترفض أن تندرج تحت أي تصنيف طبي.


