تشهد منطقة المغرب العربي تحولات جيوسياسية متسارعة، حيث بات التنافس الاستراتيجي بين المغرب والجزائر المحرك الأساسي لسياسات القوى الأوروبية. وقد كشفت سلسلة من الزيارات الدبلوماسية رفيعة المستوى خلال الأيام الأخيرة عن حجم الضغوط التي يفرضها هذا الصراع على العواصم الأوروبية، التي باتت تجد صعوبة في موازنة علاقاتها مع الرباط والجزائر في آن واحد.
إعادة التموضع الأوروبي: فرنسا وإسبانيا نموذجاً
تمثل فرنسا المثال الأبرز لهذا التحول؛ ففي عام 2024، اتخذ الرئيس إيمانويل ماكرون قراراً بدعم سيادة المغرب على الصحراء الغربية، معتبراً مقترح الحكم الذاتي أساساً لحل النزاع. أدى هذا القرار إلى إنهاء التوتر مع الرباط، لكنه تسبب في أزمة فورية مع الجزائر. وقد أكدت زيارة رئيس الوزراء الفرنسي، سيباستيان ليكورنو، إلى المغرب مؤخراً أن باريس ماضية في بناء شراكة استراتيجية شاملة مع المملكة تشمل الطاقة، والاستثمار، والأمن، والهجرة، متجاوزةً بذلك التوترات السابقة المرتبطة بمزاعم التجسس ببرنامج بيغاسوس.
وعلى نهج مشابه، واجهت إسبانيا تحديات مماثلة بعد أن تخلت حكومة بيدرو سانشيز في 2022 عن حيادها التاريخي تجاه قضية الصحراء الغربية، واصفةً مقترح المغرب بأنه الأكثر جدية ومصداقية. أثار هذا التغير غضب الجزائر التي استدعت سفيرها وعطلت العديد من الاتفاقيات التجارية، مما دفع مدريد لاحقاً لمحاولة ترميم علاقاتها مع الجزائر، وهو ما تجلى في زيارة سانشيز الأخيرة إلى الجزائر العاصمة في 20 يوليو، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين شراكتها الحيوية مع المغرب ومصالحها الاستراتيجية مع الجزائر.
أوراق الضغط: الغاز، الأمن، والنفوذ الإقليمي
يستند هذا التنافس إلى أوراق ضغط متبادلة يمتلكها الطرفان:
- المغرب: يقدم نفسه كشريك استراتيجي في مجالات الاستخبارات، ومكافحة الإرهاب، وإدارة الهجرة، بالإضافة إلى كونه بوابة اقتصادية نحو أفريقيا جنوب الصحراء.
- الجزائر: تظل قوة طاقوية كبرى بفضل احتياطيات الغاز الطبيعي الهائلة، فضلاً عن تأثيرها الأمني والدبلوماسي في منطقة الساحل.
استراتيجية التنويع: الحضور الألماني
في الوقت الذي تنشغل فيه فرنسا وإسبانيا بإدارة توازناتهما، تحركت الجزائر نحو تعميق شراكاتها مع قوى أوروبية أخرى. فقد تزامنت زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى برلين مع التطورات الأخيرة، حيث بحث الطرفان سبل تعزيز التعاون في قطاعات الطاقة، والاستثمار، والصناعة، مع التركيز على إمكانات تصدير الهيدروجين الأخضر من المغرب العربي إلى أوروبا.
خلاصة المشهد
لم يعد بإمكان القوى الأوروبية إدارة علاقاتها مع الرباط والجزائر بشكل منفصل؛ فكل خطوة باتجاه طرف معين تفرض إعادة حسابات مع الطرف الآخر. إن التنافس المغربي-الجزائري لم يقسم أوروبا إلى معسكرات دائمة، لكنه جعل من العاصمتين المغاربيتين فاعلين مؤثرين يمليان على الحكومات الأوروبية كيفية تنظيم سياساتها الإقليمية، مما يضع دبلوماسية الاتحاد الأوروبي أمام تحدي الموازنة الصعبة في منطقة بالغة الحساسية.


