في قلب شارع المتنبي، شريان بغداد الثقافي، تقف مكتبة الذاكرة كحارسٍ أمين على إرثٍ أدبي وتاريخي يمتد لنحو مائة عام. لا تكتفي هذه المكتبة بكونها مخزناً للكتب، بل هي فضاء استعادي يحفظ فصولاً من ذاكرة العراق الحديث التي صمدت أمام تقلبات الزمن.
مشروع عائلي بروح الأرشفة
تأسست المكتبة عام 2001، وانطلقت من شغف عائلي توارثه الأبناء عن والدهم. بدأت كمركز لتوفير الكتب الأكاديمية في منطقة الأعظمية، قبل أن تتحول إلى دار الذاكرة التي تضم اليوم ما بين 10 إلى 15 ألف عنوان، تشمل مطبوعات نادرة تعود إلى عشرينيات القرن الماضي، بالإضافة إلى مجموعات واسعة من الدوريات والصور والوثائق الفنية.
أرشيف يتجاوز الكتب
تتحول المكتبة في أروقتها إلى متحف مصغر، حيث يحتفظ أصحابها بمقتنيات نادرة توثق تحولات الدولة العراقية، مثل وثائق التعداد السكاني لعام 1957، وميزانية الدولة لعام 1939، ودليل هاتف العراق الأول. ومن بين أثمن كنوز المكتبة، رسائل أصلية بخط يد الكاتب والمفكر الراحل جبرا إبراهيم جبرا، التي تُعد شاهداً إنسانياً على إسهاماته في المشهد الثقافي.
يؤكد القائمون على المكتبة أن الكتاب الورقي يظل المرجع الأكثر استدامة وموثوقية في عملية الأرشفة، معتبرين أن الأرشفة الرقمية رغم أهميتها، تظل عرضة للفقدان، بينما يمثل الكتاب المطبوع الأصل الذي لا يمكن تعويضه.
نافذة على الماضي
أصبحت زيارة المكتبة طقساً يومياً لرواد شارع المتنبي، حيث يجدون في أرففها فرصة لاستعادة تاريخ البلاد بعيداً عن الروايات المنقولة. ويشير الباحثون إلى أن استمرار وجود هذه المكتبات المنزلية والمؤسساتية يعزز من قيمة الخط اليدوي وجماليات القراءة الورقية التي تفتقدها الأجيال في ظل طغيان المحتوى الإلكتروني.


