يواجه السودان خلال شهر يوليو/تموز الجاري أزمة مائية غير مسبوقة، تتجاوز في أبعادها التقلبات الموسمية المعتادة، لتضع البلاد أمام واقع جديد تفرضه سياسات التشغيل الأحادية لسد النهضة الإثيوبي، الذي دخل مرحلة التشغيل الكامل منذ سبتمبر/أيلول 2025.
مؤشرات مقلقة وأرقام صادمة
كشفت التقارير الرسمية الصادرة عن وزارة الري السودانية عن انخفاض حاد في تدفقات المياه خلال الفترة بين 7 و10 يوليو/تموز، حيث تراجعت الواردات إلى بحيرة خزان الروصيرص من 207 ملايين متر مكعب يومياً إلى 129 مليوناً فقط. هذا الانخفاض انعكس بشكل مباشر على مناسيب النيل، حيث سجلت تراجعاً بمقدار متر ونصف في الروصيرص، ومتر وسبعة أعشار في ود العيس، ومتر وستة أعشار في ود مدني، مما أدى إلى هبوط التدفقات المجمعة إلى نحو 180 مليون متر مكعب يومياً.
حين يغيب الاتفاق، ويحل القرار الأحادي محل التعاون، تتسع دائرة المخاطر لتشمل الأمن الغذائي، واستقرار المجتمعات، واحتمالات النزوح، وتفاقم التوترات في إقليم لا يحتمل مزيداً من الأزمات.
ما وراء الانحسار: السياسة تتحكم في النهر
بينما تشير الجهات الرسمية إلى عوامل طبيعية مثل ضعف الأمطار على الهضبة الإثيوبية، يظل العامل الأكثر تأثيراً هو تقليل التصريفات الخارجة من سد النهضة. ومع بلوغ منسوب خزان السد نحو 64 مليار متر مكعب، باتت إثيوبيا تمتلك القدرة على التحكم في 85% من موارد النيل الأزرق، وهو ما يثير تساؤلات وجودية حول حق دولة واحدة في الانفراد بالتحكم في شريان حياة يعتمد عليه ملايين البشر.
الأمن الغذائي والمائي في مهب الريح
تعتمد البلاد على النيل في 70% من مياه الشرب و90% من الأنشطة الزراعية. ويشير الخبراء إلى أن غياب اتفاق قانوني ملزم ينظم عملية الملء والتشغيل في سنوات الجفاف يجعل السودان في وضع هش للغاية، خاصة مع إعطاء الأولوية لتوليد الكهرباء في السد الإثيوبي دون تنسيق مسبق.
خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2025، ساعدت وفرة الأمطار على تخفيف آثار الملء، فتوهم كثيرون أن الأزمة قد انحسرت، غير أن عام 2026 بدد هذا الوهم، وأثبت أن استقرار النهر قد يصبح رهناً بقرارات تشغيلية تصدر من طرف واحد.
مستقبل غامض
إن القضية ليست مجرد خلاف فني أو هندسي، بل هي مسألة تتعلق بالمسؤولية الأخلاقية والقانونية. فمع اكتمال بناء السد وبدء مرحلة التشغيل الكامل، باتت الحاجة ملحة لصياغة إطار عادل يضمن الحد الأدنى من التصريفات. وإذا استمر غياب التنسيق، فإن سنوات الجفاف المقبلة لن تكون مجرد ظاهرة طبيعية، بل امتحاناً قاسياً يهدد استقرار شعوب بأكملها، حيث يتحول النهر من مصدر للحياة إلى ورقة ضغط سياسية.


