تجاذبات برلين ودمشق حول ملفات الإعمار
تتصدر قضية عودة اللاجئين السوريين المشهد في العلاقات الألمانية-السورية، حيث تبرز كشرط غير معلن للمشاركة في جهود إعادة الإعمار. ومنذ الزيارة التي أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى برلين نهاية مارس الماضي، والمشاورات التي قادها وزير الخارجية أسعد الشيباني مع الوفد الألماني في دمشق، تتركز التساؤلات في الأوساط السياسية الألمانية حول مدى جدوى ربط المساعدات الاقتصادية بملف الهجرة.
وفي هذا السياق، أكد وكيل وزارة الخارجية الألمانية، غيزا أندرياس فون غاير، خلال لقائه بالشيباني الأسبوع الماضي، رغبة بلاده في دعم الحكومة السورية، مشدداً في الوقت ذاته على أن تعزيز هذه العلاقات مرتبط بـ كيفية تعزيز ودعم عودة السوريات والسوريين إلى وطنهم.
العودة إلى المجهول وتحديات البنية التحتية
يرى خبراء أن عودة اللاجئين في الظروف الراهنة تواجه عقبات بنيوية، حيث يشير الباحث جوزيف داهر إلى أن الدمار الواسع وضعف الخدمات العامة وانعدام الاستقرار السياسي يعيقان أي عملية عودة واسعة النطاق. ويشير تقرير البنك الدولي إلى أن تكاليف إعادة إعمار سوريا تُقدر بنحو 216 مليار دولار، وهو مبلغ يعادل عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السوري الحالي.
التحويلات المالية: شريان الحياة
تعد التحويلات المالية القادمة من الخارج، ولا سيما من ألمانيا التي تساهم بما يتراوح بين 300 و400 مليون يورو سنوياً، مصدر الدخل الرئيسي للعديد من العائلات السورية في ظل التضخم وانهيار العملة المحلية. وقد أصبحت هذه التحويلات، منذ سقوط نظام الأسد، أداةً حيوية لتمويل عمليات ترميم المنازل وإصلاح البنية التحتية المتضررة عبر مبادرات مجتمعية.
السياسة الألمانية تجاه سوريا تتأثر بشكل أساسي بجدل اللاجئين، مما أدى إلى غياب إستراتيجية واضحة تتجاوز هذا الملف
غياب الإستراتيجية الألمانية
يشير مراقبون إلى أن برلين تفقد جزءاً من نفوذها في سوريا بسبب حصر سياستها في ملف اللاجئين، بدلاً من تبني إستراتيجية طويلة الأمد. كما يبرز شرط إضافي يتعلق بـ حماية حقوق الأقليات وفعالية المؤسسات، حيث تربط ألمانيا مساعداتها الاقتصادية بضمانات تتعلق بالمهنية وعدم الانحياز في الإدارة العامة.
وفي الختام، تؤكد الصحف الألمانية، مثل فرانكفورتر ألغماينة، أن القيادة السورية تطالب الجانب الألماني بالصبر، معتبرة أن تحقيق نجاحات ملموسة في مسار إعادة الإعمار هو المدخل الوحيد الذي يمكن أن يمهد لعودة جماعية للاجئين، وهو ما يضع برلين أمام خيار صعب بين الضغط من أجل الترحيل أو الاستثمار في استقرار البلاد.


