أبعد من الأسطورة: كيف قدّس الإغريق بطل الأوديسة لأكثر من ألف عام؟

أبعد من الأسطورة: كيف قدّس الإغريق بطل الأوديسة

لم تكن ملحمة الأوديسة مجرد عمل أدبي للترفيه في نظر الإغريق القدماء، إذ كشفت اكتشافات أثرية حديثة عن وجود عبادة دينية منظمة كرّست لتبجيل أوديسيوس، بطل الملحمة المنسوبة للشاعر هوميروس، في جزيرة إيثاكا التي تذكر الأسطورة أنها كانت موطنه ومملكته.

في مستهل الملحمة، يجد أوديسيوس، المنهك من حرب طروادة، نفسه عالقاً في جزيرة نائية تحتجزه الحورية كاليبسو، التي تعرض عليه الخلود والشباب الأبدي مقابل البقاء معها. لكن البطل، الذي أمضى عقداً من الزمن يقاتل في حرب طروادة، لم يكن يتوق إلا للعودة إلى أسرته ووطنه في إيثاكا، ليرى الدخان المتصاعد من أرض بلاده.

من الإعجاب بالبطل إلى عبادته

تشير الأدلة الأثرية إلى أن تبجيل أوديسيوس بدأ في القرن التاسع قبل الميلاد، بالتزامن مع الروايات الشفهية للقصائد الملحمية، وتوسع نطاق هذه العبادة بعد تدوين الأوديسة في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد. وتتضمن الشواهد الأثرية مزاراً مكرساً له في إيثاكا، بالإضافة إلى عملات معدنية وقطع قرميد تحمل اسمه.

فسيفساء
فسيفساء قديمة تُصوّر أوديسيوس مربوطاً إلى سارية سفينة في مشهد مستوحى من رحلته.

وفي عام 2025، أعلن علماء آثار من جامعة يوانينا اليونانية عن أدلة حاسمة تربط بين أطلال مجمع ضخم يُعرف باسم مدرسة هوميروس وبين مزار الأوديسيون. حيث عثر الباحثون على أجزاء من قرميد الأسطح تحمل نقوشاً باليونانية القديمة تتضمن اسم أوديسيوس بعبارات مثل لأوديسيوس أو الخاصة بأوديسيوس، وهي صيغة كانت تُستخدم قديماً لتكريس المزارات للآلهة.

قطعة
قطعة قرميد أثرية تحمل نقشاً باليونانية القديمة يُشير إلى اسم أوديسيوس.

كما عُثر في السابق على مراجل برونزية ثلاثية القوائم في كهف ساحلي شمال غربي إيثاكا، يعود تاريخها للقرنين الثامن والتاسع قبل الميلاد، ويُرجح أنها كانت قرابين نذرية للبطل. وفي موقع أيتوس، اكتُشفت عملات برونزية تحمل صورة رأس أوديسيوس الملتحي، مما يؤكد استمرار طقوس العبادة والاحتفالات التي كانت تُعرف بـ مهرجان الأوديسيا.

لماذا قدّس الإغريق الأبطال؟

يوضح الخبراء أن الحدود بين الأسطورة والواقع كانت مرنة في العالم الإغريقي القديم. ويقول جويل كريستنسن، أستاذ الدراسات الكلاسيكية: كانت مواقع عبادة الأبطال تلبي حاجة إنسانية للشعور بالقرب من العالم الإلهي، وكانت ترتبط ببناء الهوية وربط الجماعات المحلية بكيان أكبر.

ويشير كريستنسن إلى أن الأبطال الأسطوريين مثل هرقل وأوديسيوس كانوا يُعدون أنصاف آلهة يتجاوزون الحدود الفاصلة بين الحياة والموت، وهو ما جعلهم رموزاً قوية للانتقال والتحول في المعتقدات القديمة. وقد استمر هذا التقليد في إيثاكا لحوالي ألف عام بعد التاريخ المفترض لعودة أوديسيوس، مما يعكس عمق تأثير الملحمة في تشكيل الوجدان الجماعي لليونانيين القدماء.

تمثال
تمثال نصفي برونزي صغير لأوديسيوس عُثر عليه في موقع مدرسة هوميروس.
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص