تشهد الضفة الغربية تصاعداً ممنهجاً في وتيرة العنف، حيث تتداخل اعتداءات المستوطنين مع العمليات العسكرية للجيش الإسرائيلي في مشهد بات يتكرر يومياً، متجاوزاً كونه مجرد صدامات عارضة ليتحول إلى أداة استراتيجية للسيطرة على الأرض والتهجير القسري للفلسطينيين.
تفكيك ثنائية الجندي والمستوطن
على مدى سنوات، حاولت الرواية الرسمية الإسرائيلية تبرير الوجود العسكري بضرورة حماية المستوطنات. إلا أن الواقع الميداني خلال السنوات الخمس الأخيرة أثبت تلاشي الفوارق الجوهرية بين الجندي والمستوطن؛ فالأول يرتدي الزي العسكري ويتبع تراتبية قيادية، بينما يعمل الثاني بزي مدني وبسلاح يطلقه دون قيود، وكلاهما يخدمان استراتيجية واحدة.
تعتمد هذه الاستراتيجية على تسلسل واضح: يبدأ الجيش بشن عمليات عسكرية واسعة لتقويض البنية التحتية الفلسطينية وتدمير مقومات الحياة، تليها موجات من اقتحامات المستوطنين، لتنتهي العملية بقيام الجهاز الإداري للاحتلال بتثبيت الأمر الواقع وتغيير التوصيف القانوني للأراضي، وهو ما حدث بوضوح في جنين وطولكرم، حيث مهدت العمليات العسكرية الطريق لإقامة بؤر استيطانية جديدة.
إرهاب استعماري دائم
لم يعد وصف ما يجري بـ عنف المستوطنين دقيقاً؛ فهذا المصطلح يوحي بحالة من الفوضى الخارجة عن سيطرة الدولة، بينما الحقيقة تؤكد أنها استراتيجية مدروسة للاستعمار. الفلسطينيون اليوم يعيشون في حالة دائمة من الإرهاب الاستعماري، حيث يُحاصرون في مساحات تتقلص يومياً، وتُستهدف حياتهم اليومية من منع الوصول للمدارس، إلى تقطيع أوصال القرى، وصولاً إلى استغلال أي مواجهة ميدانية كذريعة لتسريع مشاريع الاستيطان.
الأرض.. المحرك الأساسي
إن ما تشهده الضفة الغربية، وما جرى مؤخراً في قرية تال، لا يمكن فصله عن الرؤية الإقليمية للاحتلال التي تضع الاستحواذ على الأرض كهدف أسمى. إن الذرائع الأمنية التي يسوقها الاحتلال ليست سوى غطاء لتمرير مشروع التوسع الجغرافي، وهو نهج متبع في غزة والقدس وحتى في المناطق الحدودية، حيث يتم إعادة تشكيل الخرائط وتفتيت الجغرافيا الفلسطينية تحت مسمى الأمن الإسرائيلي.
إن العالم الذي لا يزال يغلف هذه التطورات في إطار النزاع الأمني، يتجاهل حقيقة أن ما يحدث هو عملية استعمارية متكاملة الأركان، تسعى لتحويل الضفة الغربية إلى واقع ديموغرافي وجغرافي جديد لا مكان فيه للوجود الفلسطيني.


