سبتة ومليلية: التاريخ المعقد لجيبي إسبانيا في قلب شمال أفريقيا

سبتة ومليلية: التاريخ المعقد لجيبي إسبانيا في قلب

أعادت موجة العبور الجماعي الأخيرة إلى إسبانيا ملف مدينتي سبتة ومليلية إلى واجهة الأحداث الدولية، بعدما شهدت الحدود تدفقاً كبيراً للمهاجرين انطلاقاً من السواحل المغربية، في محاولة للوصول إلى الأراضي الأوروبية.

تعد هذه الواقعة واحدة من أكبر محاولات العبور خلال السنوات الأخيرة، حيث أسفرت عن غرق ما لا يقل عن 34 شخصاً وسط حالة من الفوضى الحدودية. وقد دفعت هذه التطورات السلطات الإسبانية إلى إرسال تعزيزات أمنية وعسكرية مكثفة إلى سبتة لتشديد الرقابة واحتواء الأزمة، في وقت أشارت فيه التقديرات إلى عبور نحو 60 ألف مهاجر خلال 24 ساعة، وهو رقم يعادل أكثر من نصف سكان المدينة البالغ عددهم 84 ألف نسمة.

مهاجرون
مهاجرون يسبحون من المغرب إلى سبتة الإسبانية في عملية عبور جماعي

الجذور التاريخية للمدينتين

تعود قصة سقوط المدينتين في يد القوى الأوروبية إلى ضعف إمارة بني الأحمر في غرناطة خلال القرن الخامس عشر. فقد احتل البرتغاليون سبتة عام 1415م، بينما سقطت مليلية في يد الإسبان عام 1497م. ظلت سبتة تحت الاحتلال البرتغالي حتى عام 1580م حين ضمتها إسبانيا، ثم تنازلت عنها البرتغال نهائياً لإسبانيا بموجب معاهدة لشبونة عام 1668م.

سبتة: بوابة المتوسط

تقع سبتة على الساحل المغربي عند مدخل مضيق جبل طارق، وتبلغ مساحتها 20 كيلومتراً مربعاً. تتمتع المدينة بوضع مدينة ذات حكم ذاتي منذ عام 1995. تاريخياً، كانت سبتة مركزاً استراتيجياً خضع لحكم القرطاجيين والرومان ثم البيزنطيين، وصولاً إلى الفتح الإسلامي الذي اتخذها قاعدة لطارق بن زياد في عبوره نحو الأندلس. حالياً، تُحاط المدينة بسياج مزدوج مزود بأسلاك شائكة لتأمين حدودها، وسط محاولات مستمرة من المهاجرين لعبورها.

سبتة

مليلية: الجيب الصخري

تقع مليلية في شرق المغرب، وهي شبه جزيرة صخرية تمتد لمسافة 40 كيلومتراً داخل المتوسط، وتبعد حوالي 500 كيلومتر عن السواحل الإسبانية. خضعت للحكم الإسباني عام 1497، ورغم تعرضها لحصارات عديدة، احتفظت بها إسبانيا عند استقلال المغرب عام 1956. أُقر لها نظام الحكم الذاتي في مارس 1995، وتعتمد المدينة في اقتصادها على التجارة، رغم ارتفاع معدلات البطالة بين السكان المحليين.

عسكريون
صورة تعود لعام 1987 لعسكريين إسبان في مليلية يقفون امام تمثال الجنرال فرانكو

محاولات الاستعادة والسيادة

طالب المغرب مراراً باستعادة المدينتين والجزر الصغيرة المحيطة بهما منذ استقلاله عن فرنسا وإسبانيا. شهدت العلاقات توترات تاريخية، أبرزها أزمة جزيرة ليلى (برجيل) عام 2002، وزيارة ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس لسبتة عام 2007 التي أثارت غضب الرباط. ومع ذلك، اتخذت الحكومات المغربية المتعاقبة مواقف براغماتية أحياناً، حيث أشار مسؤولون مغاربة في فترات سابقة إلى أن الشراكة الاقتصادية مع إسبانيا تفرض التعامل مع هذا الملف بحذر سياسي، خاصة مع انشغال المغرب بملفات إقليمية أخرى.

يُذكر أن الأمم المتحدة لا تُصنف سبتة ومليلية ضمن المناطق المحتلة، بينما تواصل إسبانيا إدارتهما كأقاليم ذات حكم ذاتي، مما يجعلهما نقطتي تماس دائم بين القارة الأفريقية والاتحاد الأوروبي.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص