تحولت أنظمة المراقبة الحديثة، التي صُممت في الأصل لتعزيز الأمن العام ومكافحة الجريمة، إلى سلاح ذي حدين في الولايات المتحدة، حيث كشفت تقارير حديثة عن استخدام واسع النطاق من قبل بعض ضباط الشرطة لشبكة كاميرات فلوك (Flock) المتطورة لملاحقة النساء والتحرش بهن والتجسس على حياتهن الخاصة.
بدأت القصة مع ضحايا مثل مارسي باكيلي، التي وجدت نفسها مكشوفة أمام حبيبها السابق، وهو رئيس شرطة، يستخدم نظام فلوك لقراءة لوحات السيارات لتتبع تحركاتها اليومية، من زيارات الأطباء إلى المواعيد الخاصة، مما حول حياتها إلى جحيم من المراقبة الصامتة.
شبكة مراقبة تتجاوز حدود القانون
تُعد شركة فلوك، المدعومة باستثمارات تقنية ضخمة، أحد أقطاب صناعة المراقبة في أمريكا، حيث تدير أكثر من 120 ألف كاميرا تسجل نحو 20 مليار قراءة للوحات السيارات شهرياً. ومع ذلك، تشير سجلات المحاكم إلى تورط ما لا يقل عن 50 ضابطاً في إساءة استخدام هذه التقنية لأغراض شخصية، استهدفت في أغلبها زوجات أو حبيبات سابقات.
تكمن خطورة هذه الأنظمة في قدرتها على رسم خريطة حياة للفرد؛ فهي لا تكتفي بتحديد الموقع، بل ترصد الأنماط اليومية، الطرق المعتادة، والزيارات المتكررة، مما يمنح المعتدي سلطة الترهيب دون الحاجة لمواجهة جسدية.
ثغرات الرقابة وغياب المساءلة
تمنح فلوك أقسام الشرطة صلاحيات واسعة للتحكم في الإعدادات، مع غياب شبه تام للرقابة الصارمة على عمليات البحث التي يجريها الضباط. فبإمكان أي ضابط الوصول إلى سجلات التتبع دون الحاجة إلى مذكرة قضائية، مكتفياً برقم لوحة السيارة.
وفي حين يؤكد مسؤولو الشركة أن هؤلاء الضباط يمثلون نسبة ضئيلة من المستخدمين، يرى خبراء الخصوصية أن المشكلة هيكلية؛ حيث سبقت التكنولوجيا السياسات القانونية المنظمة لها، مما ترك الضحايا في مواجهة مع سلطة تجمع بين الشارة والسلاح وأدوات التجسس التقني.
تحدي القوانين المتقادمة
تفتقر الولايات المتحدة إلى قانون فدرالي موحد ينظم استخدام قارئات لوحات السيارات، مما خلق فوضى في القواعد التنظيمية بين الولايات. ورغم محاولات بعض الولايات إلزام الشرطة بتبرير عمليات البحث برقم قضية جنائية، إلا أن معظم هذه الإجراءات تظل اختيارية وغير مفعلة بشكل كافٍ.
تظل المأساة التي لخصتها باكيلي بسؤالها: إلى من تشتكي رئيس الشرطة نفسه؟ هي الصدى الأبرز لنقاش طويل حول ضرورة وضع حدود صارمة لاستخدام أدوات المراقبة في أيدي أجهزة إنفاذ القانون.


