في القرن السادس عشر، ذاع صيت الخادمة المنزلية إليزابيث بارتون بوصفها صاحبة رؤى ونبوءات، لكن تحديها للملك انتهى بها إلى دفع حياتها ثمناً لذلك. فهل كانت دجالة، أم امرأة شجاعة تحدت السلطة في إنجلترا عصر تيودور؟
في عام 1525، أصيبت إليزابيث بارتون بمرض خطير في قرية صغيرة بمقاطعة كينت. وأثناء هذيانها، راحت تتمتم بمقاطع من الكتاب المقدس، ثم بدأت تدخل في حالات من الغيبوبة تشبه نوبات الصرع، وتتحدث خلالها عن نبوءات دينية. ولم يطل الوقت حتى انتشرت أخبار رؤاها، وبدأ الناس يتوافدون لرؤية هذه الشابة الغامضة.
وبعد أن دخلت بارتون في نوبة استمرت ساعات عدة أمام حشد من الناس، وقيل إنها شفيت من مرضها بعدها، أعلن أنها صاحبة رؤى حقيقية. وصفها أحد الشهود قائلاً: كان وجهها مشوهاً على نحو مدهش، ولسانها متدلياً، وعيناها كأنهما اقتلعتا من مكانهما.
بعد ذلك، التحقت بارتون بدير صغير للراهبات في كانتربري، وسرعان ما أصبحت شخصية مؤثرة في إنجلترا خلال عهد أسرة تيودور. فقد استشارها كبار رجال الدين والنبلاء، بل إن الملك هنري الثامن نفسه لجأ إليها. لكن نبوءاتها أخذت لاحقاً منحى سياسياً خطيراً، وهو ما قاد في النهاية إلى سقوطها المأساوي.
صعود بارتون في زمن الإصلاح الديني
جاء صعود بارتون إلى الشهرة في وقت كانت فيه أفكار الإصلاح الديني تشق طريقها إلى إنجلترا، وتعمق الانقسام بين الكاثوليك وأتباع المصلحين البروتستانت. تقول شارون بينيت كونولي، مؤلفة كتاب بطلات عالم تيودور: رأى الكثيرون في هذه التحولات تهديداً لطريقة حياتهم، ولذلك كانوا يشجعون أي شيء يمكن أن يساعدهم على مواجهة هذا التهديد.
لم يقتصر أتباع بارتون على عامة الناس، فقد أثارت راهبة كينت اهتمام عدد من الرهبان وكبار رجال الدين، بينهم الكاردينال وولسي ورئيس أساقفة كانتربري، وصولاً إلى السير توماس مور، مستشار الملك هنري الثامن. ورغم تحذير مور لها من الخوض في شؤون الملك الشخصية، إلا أن بارتون استمرت في مواقفها.
قائدة للمقاومة أم ضحية للتلاعب؟
تعارضت نبوءات بارتون مباشرة مع رغبة الملك هنري الثامن في تطليق زوجته كاثرين الأراغونية والزواج بأخرى، إذ عارضت انفصال إنجلترا عن روما. وبلغ بها الأمر أن حذرت البابا كليمنت السابع من وباء سيحل إذا وقف ضد كاثرين.
ترى ديان وات، أستاذة الأدب الإنجليزي بجامعة ساري، أن تصوير بارتون على أنها دجالة كان جزءاً من الدعاية السياسية لأعدائها. وتضيف: أعتقد أنها كانت امرأة موهوبة للغاية وتتمتع بحضور طاغٍ، وقادت المقاومة ضد طلاق هنري، بدلاً من كونها دمية يحركها الآخرون.
تحدي الملك والنهاية المأساوية
ادعت بارتون أنها تلقت وحياً بأن هنري لن يعيش أكثر من سبعة أشهر إذا تزوج آن بولين، ثم قالت لاحقاً إنه لن يبقى ملكاً بعد شهر واحد من زواجه منها. وكان التنبؤ بموت الملك يعد خيانة عظمى بموجب قانون عام 1351.
في أكتوبر/تشرين الأول 1532، زار هنري وآن بولين بارتون في محاولة لاستمالتها بعرض مناصب رفيعة عليها مقابل صمتها، لكنها رفضت. وبعد الزواج الملكي، أرسلت بارتون إلى برج لندن وخضعت للاستجواب على يد توماس كرومويل، حيث انتُزِع منها اعتراف بأنها لم تتلق أي وحي.
في 20 أبريل/نيسان 1534، أُعدمت بارتون مع ستة من أنصارها في تايبورن، وكانت تبلغ من العمر 28 عاماً فقط. وعُرض رأسها عند البوابة الجنوبية لجسر لندن كتحذير صارم، لتظل قصتها شاهدة على صراع السلطة والدين في ذلك العصر، رغم محاولات كرومويل طمس أثر كتاباتها ورؤاها.


