لم يعد وصف السياسيين لخصومهم بـالحشرات أو حثالة البشر مجرد زلة لسان أو خروجاً عن اللياقة، بل تحول إلى أداة سياسية مدروسة. من دونالد ترمب في أمريكا، إلى فيكتور أوربان في المجر، وإيتمار بن غفير في إسرائيل، باتت البذاءة السياسية استراتيجية تعتمد على استثارة مشاعر الجماهير وتحقيق مكاسب انتخابية عبر كسر نواميس الدبلوماسية التقليدية.
لماذا لا يُعد الابتذال أمراً عرضياً؟
المفارقة أن هؤلاء الزعماء، رغم فجاجة خطابهم، يحرصون على تقديم أنفسهم كحماة للقيم السامية أو مخلصين لأوطانهم. يكمن السر في البناء الأخلاقي للشعبوية، حيث لا يُنظر للخصم كـمنافس سياسي بل كـفاسد أخلاقي. هذا التقسيم يبرر استخدام الفظاظة كوسيلة للوضوح الأخلاقي، ونزع الإنسانية عن الآخر، وهو ما يمهد الطريق لتقبل العنف الرمزي والمادي.

ثأر الخاسرين: جذور الغضب
وفقاً لأطروحة عالم السياسة كارلو إنفرنيزي أتشيتي، فإن العقدين الأخيرين شهدا تصاعداً في الغضب كقوة محركة للسياسة. هذا الغضب ليس انفعالاً عشوائياً، بل هو رد فعل على شعور واسع بالإذلال وفقدان التقدير الاجتماعي. فالجماهير التي تشعر بأنها خاسرة في ظل النظام العالمي الحالي، تجد في السياسي المبتذل صوتاً يعبر عن استيائها من النخب التي تتعالى عليها.

في الخطاب الشعبوي، التمييز بين الشعب والنخبة ليس اقتصادياً أو وظيفياً، بل أخلاقياً
ديناميات الإهانة واقتصاد الغضب
تستفيد منصات التواصل الاجتماعي من هذا الخطاب عبر ما يسمى اقتصاد الغضب، حيث يحظى المحتوى الصدامي بتفاعل أكبر. السياسي الذي يستخدم الشتائم يضمن تغطية إعلامية واسعة، ويضع خصومه في فخ تواصلي: فإذا ردوا بعنف، أثبتوا صحة ادعاءاته بأن السياسة لعبة قذرة، وإذا صمتوا، ظهروا بمظهر الضعفاء المنفصلين عن الواقع.

النيوليبرالية وتآكل الكرامة
يرى علماء الاجتماع مثل بيير بورديو أن النيوليبرالية لم تنتج تفاوتات مادية فحسب، بل أحدثت دماراً رمزياً للطبقات العاملة والمتوسطة، حيث تم إعادة تصنيف هذه الفئات من ركائز وطنية إلى فئات موصومة ثقافياً. هذا التهميش الرمزي هو المادة الخام التي يقتات عليها السياسي الشعبوي، حيث يُعد الابتذال وسيلة لإعادة الاعتبار لهؤلاء الخاسرين من خلال سخرية جماعية من النخبة.

يجد الكثير من الأفراد في القادة السياسيين الذين يتحدثون بأسلوب مبتذل إشباعاً عاطفياً يعوضهم عن شعورهم بالدونية
في نهاية المطاف، يظل الابتذال السياسي أداة متعددة الوظائف؛ فهو عزاء للمهمشين، واستعراض للهيمنة، ووسيلة لتعطيل الجدل العقلاني، مما يجعله تحدياً بنيوياً يتطلب فهماً عميقاً لجذور الجرح الاجتماعي الذي يغذي هذا النوع من الخطاب.



