في حين يفضل زعماء العالم قضاء عطلاتهم في المنتجعات الفارهة، يختار قادة الحزب الشيوعي الصيني وجهة مختلفة تماماً؛ بيداهي، المدينة الساحلية الهادئة التي تبعد نحو 300 كيلومتر شرق بكين، والتي تحولت على مدى عقود إلى الملاذ الصيفي التقليدي للنخبة السياسية في الصين.
ورغم أن المدينة تستقبل ملايين السياح سنوياً، إلا أن وجود المسؤولين فيها يظل محاطاً بـ صندوق أسود من السرية. فمع مطلع شهر يوليو/تموز، تبدأ السلطات بتشديد الإجراءات الأمنية، حيث يُحظر تشغيل الطائرات المسيّرة، وتُمنع الرحلات الخاصة بالقوارب، ليدخل الرئيس شي جين بينغ وكبار مساعديه في فترة انقطاع عن الأنظار تستمر لأسبوعين، لا يقطعها سوى الظهور في حالات الطوارئ الوطنية.
رسالة التواضع والابتعاد عن الترف
تنسجم بيداهي مع الصورة التي يروج لها شي جين بينغ حول القيادة التي تحارب الفساد؛ فالمدينة تفتقر إلى الفنادق الفارهة، وتغلب عليها المباني الرمادية التي تعود للحقبة السوفيتية ومصحات العمال البسيطة. ويوضح المؤرخ البريطاني رانا ميتر أن اختيار هذا المكان يحمل رسالة سياسية مفادها أن قادة الحزب يجب أن يعكسوا التواضع بعيداً عن مظاهر البذخ.
تاريخ من القرارات المصيرية
بدأت علاقة الحزب بالمدينة عام 1953، عندما اختارها ماو تسي تونغ مقراً صيفياً للعمل والاستراحة، مدفوعاً بحرارة بكين المرتفعة ورغبته في السباحة. ومنذ ذلك الحين، شهدت المدينة اجتماعات مفصلية، أبرزها اجتماع عام 1958 الذي أطلق سياسة القفزة الكبرى إلى الأمام، التي انتهت بكارثة اقتصادية ومجاعة.
ومع مرور الزمن، تغير الدور السياسي للمدينة؛ ففي عهد شي جين بينغ، أصبحت الاجتماعات أكثر غموضاً، حيث يُعتقد أنها لا تزال تستخدم لمناقشة القضايا الاستراتيجية الكبرى بعيداً عن ضغوط العاصمة، مثل قضايا الذكاء الاصطناعي وأولويات الدولة التي يناقشها المسؤولون مع كبار الأكاديميين قبل بدء العطلة.
جذور ضاربة في القدم
لا تقتصر أهمية المدينة على الحقبة الشيوعية؛ فقد مر بها الإمبراطور الأول تشين شي هوانغ عام 221 قبل الميلاد بحثاً عن سر الخلود. وبعد عام 1949، استولت الحكومة على الفيلات التاريخية وحولتها إلى مراكز استجمام لكبار المسؤولين والجنود، ومنها فيلا لين بياو الشهيرة التي شهدت فصولاً من الصراع السياسي المحتدم.
ورغم التحول نحو السياحة الحديثة في مناطق مثل أرانيا، تظل بيداهي لغزاً سياسياً؛ فبينما يستمتع السياح بشواطئها، يدرك الجميع أن قرارات قد تغير وجه الصين تُتخذ خلف جدرانها المغلقة، في مشهد يجمع بين الطبيعة الهادئة وأسرار السلطة العميقة.


