انهيار الميثاق الصامت.. كيف تعيد الحرب الطويلة صياغة العلاقة بين الجيش والحكومة في إسرائيل؟

انهيار الميثاق الصامت.. كيف تعيد الحرب الطويلة ص

على مدار تاريخ إسرائيل، ظلت الخلافات بين القيادات السياسية والمؤسسة العسكرية حبيسة الغرف المغلقة. كانت النقاشات حول الاستراتيجية والتوقيت والمخاطر تُدار بعيداً عن أعين الجمهور، ليظهر الكيان في حالة من التماسك الواضح رغم التوترات الداخلية. لكن هذا الترتيب الهادئ قد تهاوى تماماً، فبعد نحو ثلاث سنوات من أحداث 7 أكتوبر، تحولت الصدامات العلنية بين الوزراء وكبار الضباط إلى مشهد روتيني.

تآكل التقاليد: من شراكة التقدير إلى صدام السلطة

لم يعد الخلاف مقتصرًا على التكتيكات العسكرية، بل امتد ليشمل جوهر إدارة الدولة: من يملك الحق في تعريف النصر؟ ومن يحدد أهداف الحرب؟ ومن يقرر ما هو ممكن واقعياً؟

تاريخياً، لم يكن الجيش الإسرائيلي مجرد ذراع تنفيذية، بل كان شريكاً في صياغة سياسات الأمن. كان القادة العسكريون، بتقديراتهم المهنية، يضعون سقفاً للطموح السياسي، محذرين من تبعات تجاوز حدود الممكن. لكن هذا الميثاق غير المكتوب انقلب رأساً على عقب تحت وطأة حرب طويلة ومستنزفة.

أربعة عوامل فككت التوازن

يمكن تلخيص الأسباب التي أدت إلى هذا الانقلاب الهيكلي في أربع نقاط رئيسية:

  • عامل الزمن: تحولت الحرب من عمليات عسكرية خاطفة إلى صراع ممتد لسنوات، مما جعل كل قرار – من استدعاء الاحتياط إلى تحديد أهداف الحرب – قراراً سياسياً يمس حياة المجتمع بشكل مباشر.
  • غياب تعريف موحد للنصر: بينما يسعى القادة العسكريون لنتائج مستدامة على الأرض، يبحث السياسيون عن مخرجات تخدم قواعدهم الانتخابية وتخفف ضغط الشارع، مما خلق فجوة في قياس النجاح.
  • تباين الحوافز: يعيش كبار الضباط مع تبعات القرارات الميدانية وأرواح الجنود، بينما يواجه الوزراء ضغوط الائتلافات الحكومية والمستقبل السياسي، مما يجعل التصادم العلني أمراً حتمياً.
  • انقلاب الهرمية: في الماضي، كان الجيش يحدد للسلطة ما يمكن تحقيقه. اليوم، تملي السلطة السياسية على الجيش ما يجب تحقيقه، وتهاجمه عندما يعجز عن تجاوز حدود القوة العسكرية.

غموض السلطة ومستقبل الحرب

إن النتيجة المباشرة لهذا التصدع هي ضبابية في اتخاذ القرار. ففي ظل غياب استراتيجية موحدة متفق عليها بين المستوى السياسي والعسكري، تعاني الدولة من تضارب في الأولويات وتباين في تقدير المخاطر. لم تعد القضية مجرد خلافات شخصية بين وزير دفاع ورئيس أركان، بل هي أزمة نظام يعيش تحت ضغط طويل الأمد.

تطرح هذه التطورات سؤالاً وجودياً يرافق إسرائيل منذ أكتوبر 2023: عندما تمتد الحرب لسنوات، من صاحب القرار النهائي؟ السياسي الذي يربط بقاءه بمظاهر السيطرة، أم الجنرال الذي يدرك حدود القوة العسكرية؟ الجواب على هذا السؤال لن يحدد فقط شكل العلاقة بين الجيش والحكومة، بل سيرسم ملامح الطريقة التي ستنتهي بها هذه الحرب، والثمن البشري الذي سيُدفع حتى ذلك الحين.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص