في أحد المواقع الأثرية الصغيرة وسط العاصمة اليونانية أثينا، تخرج مجموعة من النساء بأردية بيضاء احتفالية من خلف راية نُصبت أمام كهف قديم، بينما يصطف رجال ونساء من مختلف الأعمار في نصف دائرة حول مذبح حجري. تتقدم النساء في موكب ديني، وتضع إحداهنّ تمثالًا صغيرًا للإلهة أثينا -رمز الحكمة في الميثولوجيا اليونانية- على المذبح، وسط تصاعد دخان اللبان في مشهد يُعيد للأذهان طقوساً ضاربة في القدم.
ورغم أن هذا المشهد قد يبدو للوهلة الأولى كجزء من التاريخ المنسي، إلا أنه يمثل واقعاً معاشاً في اليونان اليوم. فثمة مجتمع صغير في أثينا يمارس الديانة اليونانية القديمة، ويعبد آلهة مثل زيوس، بوسيدون، وديونيسوس باعتبارهم كيانات حقيقية، وليسوا مجرد شخصيات أسطورية. ويحتفل هؤلاء بمهرجان بلينتيريا، وهو عيد أثيني قديم كان يُخصص لتطهير تمثال أثينا المقدس.
يُنظّم هذه الاحتفالات تجمّع يُعرف باسم Labrys، الذي يُعد من أبرز الجماعات الداعمة للديانة اليونانية متعددة الآلهة في العصر الحديث. ويشجع التجمع أفراده على ممارسة الطقوس الجماعية والعبادة المنزلية، مستلهمين تقاليدهم من النصوص والأساطير اليونانية القديمة.
بين التراث والواقع المعاصر
يؤكد كريستوس بانوبولوس، المؤسس المشارك للمجموعة والمعروف باسمه الديني بانديون، أن ما يمارسونه ليس إعادة تمثيل للتاريخ أو محاولة لإحياء دين اندثر، بل هو استمرار لتقاليد دينية لم تنقطع تماماً عبر القرون. ويرى بانوبولوس أن الكثير من عناصر المسيحية الأرثوذكسية في اليونان قد تأثرت بالموروث الديني القديم، وأن الرموز الدينية الحالية تطورت من معتقدات سبقتها.
ويوضح بانوبولوس أن اهتمامه بهذه الديانة جاء نتيجة بحث روحي طويل، مشيراً إلى أن تعدد الآلهة ينسجم مع فهمه للعالم، حيث تعمل الأساطير والطقوس كلغة رمزية تساعد الإنسان على بناء علاقة مع المقدس.
تجارب متنوعة وتوجهات دينية
لا تقتصر هذه المعتقدات على مجموعة Labrys فحسب، بل توجد منظمات أخرى تتبنى التوجه ذاته، وإن اختلفت في وجهات نظرها. ويؤكد أعضاء Labrys أنهم يرحبون بكل من لديه اهتمام ديني صادق، بغض النظر عن خلفيته أو جنسيته.
وقد انضم للمجموعة أشخاص من خلفيات متنوعة، مثل باناجيوتيس كوتالوس، المدرس الذي وجد في التقاليد الهيلينية مساحة للتدين دون خوف من الإدانة، وآنا سينان، التي انضمت للمجموعة بعد مشاهدتها لإحدى الطقوس خلال زيارتها لأثينا، حيث وجدت في الاحتفالات اليونانية عمقاً روحياً يتجاوز مجرد الترفيه.
وفي نهاية المراسم التي تشهد عزف موسيقى آلة الأولوس القديمة، يتبادل المشاركون العناق ويقدمون قرابين من النبيذ على المذبح، كاستمرارية لتقليد ديني يراه أعضاء الجماعة وسيلة لاستعادة السعادة القائمة على الفضيلة، أو ما يسميه الفلاسفة اليونانيون اليودايمونيا؛ أي حالة الازدهار والطمأنينة التي تتحقق عبر الحكمة والعدالة.


