مقدمة في الميثاق الوطني
يعد الميثاق الوطني لعام 1943 محطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، حيث أرسى تسوية تاريخية بين رئيس الحكومة رياض الصلح ورئيس الجمهورية بشارة الخوري، لينهي رهانات كانت تهدف إلى فصل لبنان عن محيطه العربي. لم يكن هذا الميثاق مجرد اتفاق سياسي، بل كان سداً منيعاً أمام مشروع صهيوني استمر لعقود سعى لاختراق الكيان اللبناني.
أسدل الميثاق الوطني الستار على رهان قام على إمكانية فصل لبنان عن محيطه العربي، وتحويله إلى حليف طبيعي للمشروع الصهيوني
مطامع في الجنوب اللبناني
بدأ التماس بين الحركة الصهيونية ولبنان مبكراً، حيث امتدت أطماعها إلى جنوب لبنان لما يمثله من أهمية جغرافية ومائية. استندت هذه الأطماع إلى ادعاءات توراتية بتبعية أراضي سبط آشر للكيان الناشئ، بالإضافة إلى أطماع اقتصادية تجسدت في زيارة حاييم وايزمان عام 1907 لصيدا، حيث سعى لاستثمار المنطقة في الصناعات الزراعية.
اصطدمت هذه الرؤية بالتوازنات الدولية بين فرنسا وبريطانيا، حيث تمسكت فرنسا بالجنوب كجزء من مشروع لبنان الكبير، مما أحبط المحاولات الصهيونية المباشرة للسيطرة على الأرض، لتبدأ بعدها مرحلة البحث عن نفوذ سياسي.
إدارة النفوذ: شبكات إبشتاين وساسون
مع بداية الانتداب البريطاني، أنشأت الوكالة اليهودية دائرة سياسية متخصصة، قادها إلياهو إبشتاين وإلياهو ساسون، اللذان امتلكا خبرة في اللغة العربية والمجتمع اللبناني. ركز الرجلان على نسج شبكة علاقات مع النخب المارونية ورجال الأعمال، مستغلين الهواجس الطائفية لدى بعض القوى اللبنانية من الذوبان في المحيط العربي.
فشل الرهان الصهيوني
رغم محاولات التغلغل الاقتصادي، وإصدار أدلة سياحية صهيونية عن لبنان، ومحاولات توطين لاجئين، إلا أن هذه الجهود اصطدمت دائماً بالواقع الشعبي اللبناني المناهض للمشروع الصهيوني. وقد أثبتت الثورة الفلسطينية الكبرى أن لبنان كان ولا يزال جزءاً لا يتجزأ من المزاج العربي.
خلاصة التجارب التاريخية
إن التاريخ يثبت أن إسرائيل أخطأت مراراً في تقديرها للبنان، عبر افتراض أن عقد تحالفات مع شخصيات نافذة كإميل إده أو بشير الجميل يكفي لجر البلاد نحو التطبيع. لكن في كل محطة، كان الواقع اللبناني بتعقيداته وتوازناته الداخلية يفرض حدوداً لم تستطع الحركة الصهيونية تجاوزها، لتظل هذه المحاولات دروساً في فشل الرهان على تحالف الأقليات في مواجهة الهوية الوطنية والقومية.


