تشهد مدينة حماة، وسط سوريا، مرحلة من الانتعاش العمراني والسياحي، حيث بدأت الجهود المحلية في نفض غبار الإهمال عن معالمها الأثرية التي ظلت لعقود مغيبة خلف الإشغالات العشوائية ومحاولات الطمس المتعمد. وتأتي هذه الخطوات في إطار مساعٍ حثيثة لإعادة إحياء الهوية التاريخية للمدينة، خاصة تلك المرتبطة بالعصرين الأيوبي والمملوكي.
قصر الأرناؤوط: من سجن للذاكرة إلى مزار تاريخي
يبرز قصر الأرناؤوط كأحد أهم الشواهد التي استهدفتها مشاريع التأهيل مؤخراً. بُني القصر في القرن السابع عشر على يد محمد باشا الأرناؤوط، ويتميز بطرازه العثماني الفريد. ويوضح الآثاري محمد سويدان أن القصر مر بمراحل تاريخية معقدة؛ فقد كان مقراً للولاة، ثم تحول خلال فترة الانتداب إلى مبنى لمديرية النفوس، قبل أن يُستخدم كسجن مركزي، ليُغلق أبوابه تماماً منذ عام 1982.
ويشير سويدان إلى أن الموقع يضم في محيطه معالم هامة مثل مسجد وحمام العبيسي، مؤكداً أن الدراسات الأثرية الجارية تهدف إلى كشف النقاب عن الطبقات التاريخية لهذا النسيج العمراني العريق.
المدرسة العصرونية: دار القرآن تستعيد بريقها
وفي منطقة باب حمص القديمة، عادت المدرسة العصرونية ودار التوتان للقرآن الكريم إلى الواجهة بعد إزالة الإشغالات والمقاهي العشوائية التي حاصرتها لسنوات. يُذكر أن الدار أنشئت عام 584هـ، وكانت مركزاً تعليمياً مرموقاً لطلاب القرآن، حيث وثقت النقوش التاريخية تخصيص أوقاف لدعم استمراريتها.
خطة إحياء شاملة
تتضمن استراتيجية المحافظة الحالية مشاريع واسعة النطاق، تشمل صيانة النواعير التاريخية التي تراجع عددها من 25 إلى 15 ناعورة، بالإضافة إلى ترميم حي الطوافرة الأثري وقصر العظم. وفي هذا السياق، يؤكد مروان الجربان، رئيس دائرة آثار حماة، أن الهدف هو صون التراث ووضعه في متناول الزوار لتنشيط الحركة السياحية التي شهدت تصاعداً ملحوظاً.
مؤشرات سياحية إيجابية
انعكست هذه الجهود على الواقع السياحي؛ حيث سجل صيف عام 2026 أكبر معدل إقبال سياحي تشهده المدينة منذ 45 عاماً. وتؤكد مديرية سياحة حماة أن نسب إشغال الفنادق ارتفعت بشكل لافت، مع زيادة في أعداد السياح الأجانب بنسبة وصلت إلى 216% مقارنة بالعام الماضي، مما يضع حماة مجدداً على الخارطة السياحية الإقليمية.


