تشهد مناطق واسعة في تونس حالة من الاحتقان الشعبي المتصاعد، مدفوعة بتدهور حاد في الخدمات الأساسية، حيث يعاني المواطنون من انقطاعات متكررة في المياه والكهرباء، بالتزامن مع نقص حاد في الأدوية والمياه المعلبة. تأتي هذه الأزمات في ظل موجة حر قياسية تجاوزت 50 درجة مئوية، وفواجع إنسانية مرتبطة بقوارب الهجرة غير النظامية.
جذور الأزمة: تراكم هيكلي لا صدمات عابرة
تؤكد التحليلات الاقتصادية والسياسية أن ما يعانيه الشارع التونسي يتجاوز مجرد تبعات المناخ أو الظروف الطارئة. وتوضح المختصة في السياسات الاقتصادية، خلود التومي، أن تهالك البنية التحتية وتهميش الاستثمار العمومي على مدار 14 عاماً جعل شبكات التوزيع عاجزة تماماً عن استيعاب ذروة الطلب، رغم امتلاء السدود.
وتشير التومي إلى أن خيارات السياسة المالية للدولة، التي ركزت على توجيه السيولة النقدية لسداد الديون الخارجية تفادياً للإفلاس، جاءت على حساب نفقات الصيانة الحيوية وتوفير المواد الأساسية. من جانبه، يعزو المحلل السياسي صهيب المزريقي الأزمة إلى تقادم شبكات المياه التي لم تُحدّث منذ عام 1968، إلى جانب عجز في قطاع الكهرباء يصل إلى 2000 ميغاوات نتيجة غياب الاستثمار في الطاقات البديلة وبقاء النظام الإداري تقليدياً.
مأزق سردية المؤامرة مقابل الواقع المعيشي
في الوقت الذي تُرجع فيه السلطات هذه الانقطاعات إلى أعمال مدبرة من قبل غرف مظلمة، يرى مراقبون ونشطاء أن هذا الخطاب يمثل محاولة للتهرب من المسؤولية. ويصف ربيع قاسم، عضو تحرك نفس، الأوضاع الحالية بأنها تعكس ملامح دولة منكوبة، مؤكداً أن التحركات الشعبية هي صرخة رفض لسنوات من الحكم الفردي الذي دخلت فيه البلاد منذ إجراءات عام 2021.
ويتطابق هذا الطرح مع مواقف نقابية، حيث وصف الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس تهم التخريب والمؤامرة بأنها مسرحية تهدف للتغطية على الفشل الإداري في إدارة المرافق العامة.
خارطة طريق للخروج من الانسداد
يرى الخبراء أن الحل يتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الإجراءات الظرفية؛ حيث تقترح التومي فتح باب التفاوض مع المؤسسات المالية الدولية لتوفير تمويلات تخصص حصرياً لصيانة القطاعات الحيوية. بينما يشدد المزريقي على ضرورة العودة للاستماع للخبراء ووضع إستراتيجيات طويلة الأمد لإنهاء العجز الطاقي والمائي.
ويخلص الناشط ربيع قاسم إلى أن الحل يبدأ باعتراف السلطة بأخطائها، وإنهاء حالة احتكار القرار، والتوجه نحو حوار وطني شامل يجمع الكفاءات التونسية لإعادة بناء القطاعات الأساسية وضمان الحقوق المعيشية للمواطنين.


