لم يعد ضعف الين الياباني مجرد شأن محلي لطوكيو، بل تحول إلى قضية استراتيجية تثير قلق واشنطن، في مشهد يعكس تداخل المصالح المالية بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم. فالهبوط المتسارع للعملة اليابانية لا يهدد فقط برفع فاتورة استيراد الطاقة والغذاء في اليابان، بل يضع ضغوطاً غير مسبوقة على استقرار سوق السندات الأمريكية.
في خطوة هي الأولى من نوعها منذ 15 عاماً، تدخلت الولايات المتحدة واليابان بشكل مشترك لدعم الين، بعد أن وصفته طوكيو بـتقلبات مفرطة. وبحسب بيانات وزارة المالية اليابانية، ضخت طوكيو نحو 97 مليار دولار في سوق الصرف أواخر يوليو/تموز، مما ساهم في تحسن سعر العملة مؤقتاً من مستويات قاربت 164 يناً للدولار إلى نحو 155 يناً.
فاتورة الطاقة.. بداية الضغوط التضخمية
يؤدي ضعف الين إلى تضخم كلفة الواردات المسعرة بالدولار، وعلى رأسها النفط الذي تستورد اليابان نحو 95% من احتياجاتها منه من الشرق الأوسط. هذا التراجع يترجم سريعاً إلى ارتفاع في فواتير الوقود والكهرباء، مما يولد ضغوطاً تضخمية تثقل كاهل الشركات والمستهلكين على حد سواء.
علاقة متشابكة بسندات الخزانة الأمريكية
تمتلك اليابان نحو 1.14 تريليون دولار من سندات الخزانة الأمريكية، مما يجعل أي حاجة يابانية للسيولة الدولارية أمراً بالغ الحساسية. ولتجنب بيع هذه السندات بشكل جماعي -ما قد يزعزع استقرار سوق الدين الأمريكي- لجأت السلطات إلى تسهيلات إعادة الشراء، ما سمح بطرح دولارات في السوق دون التأثير المباشر على أسعار السندات.
ويوضح الدكتور عمر غرايبة، أستاذ الاقتصاد الدولي، أن استقرار الين يمثل مصلحة مشتركة، لأن اليابان لاعب محوري في النظام المالي العالمي. ومع ذلك، يؤكد غرايبة أن التدخل المباشر يشتري وقتاً فقط، بينما تظل المعضلة الحقيقية في فجوة الفائدة؛ حيث تبلغ الفائدة في اليابان 1% مقابل نطاق يصل إلى 3.75% في الولايات المتحدة، مما يجعل الأصول الدولارية أكثر جاذبية للمستثمرين.
الاستقرار المالي العالمي كأولوية
لا تنظر واشنطن إلى أزمة الين كحدث عابر، بل كخطر قد يمتد ليشمل أسواق العملات والتجارة العالمية. وكعضو بارز في مجموعة السبع (G7)، فإن اليابان تعد ركيزة أساسية في النظام المالي الذي تقوده العملة الأمريكية. لذا، تسعى واشنطن من خلال التنسيق مع طوكيو إلى إدارة هذه المخاطر استباقياً، لضمان عدم تحول تقلبات العملة إلى حالة من الارتباك المالي الشامل.


