بين الموقع الاستراتيجي والمخاطر الأمنية.. لماذا يتعثر ميناء عدن في اقتناص فرص الملاحة الدولية؟

بين الموقع الاستراتيجي والمخاطر الأمنية.. لماذا يت

يواجه ميناء عدن جنوبي اليمن مفارقة حادة؛ فبينما يقع عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهو أحد أهم الممرات البحرية في العالم، تقف المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين حائلاً أمام استفادته من حركة الملاحة الدولية التي بدأت تشهد عودة جزئية نحو مسار البحر الأحمر وقناة السويس.

ورغم إعلان شركات ملاحية كبرى عن استئناف رحلاتها عبر البحر الأحمر، إلا أن ميناء عدن لم يلمس انعكاساً إيجابياً مباشراً لهذه العودة. ففي 25 أغسطس/آب الجاري، علقت شركة هاباغ لويد الحجوزات الجديدة إلى الميناء حتى إشعار آخر، مؤكدة أن الوضع الإقليمي لا يسمح بتوفير اتصال موثوق للشحنات المتجهة إليه.

يقع
يقع ميناء عدن قرب باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية على طرق التجارة الدولية

تحديات الرسو مقابل العبور

يؤكد فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب رئاسة الجمهورية اليمنية، أن اضطرابات باب المندب لا تمنح عدن ميزة تلقائية، موضحاً أن الأزمة تدفع السفن بعيداً عن الممر الملاحي برمته نحو طريق رأس الرجاء الصالح. ويشير النجار إلى أن فرصة الميناء الحقيقية تكمن في عودة الملاحة إلى طبيعتها، معتبراً أن تحويل هذه العودة إلى مكسب يتوقف على ثلاثة عوامل رئيسية: قسط التأمين، زمن دوران السفينة، وتكلفة التخليص.

وتتفاقم الأزمة بفعل عودة نشاط القرصنة في خليج عدن، مما يضيف طبقة جديدة من المخاطر الأمنية التي ترفع بدورها تكاليف التأمين وقرارات شركات الشحن.

فاتورة باهظة على المستهلك

بالنسبة للمستوردين، تحولت اضطرابات الملاحة إلى فاتورة ثقيلة؛ حيث يقدر التاجر سامي شمسان ارتفاع تكاليف الشحن بنسب تتراوح بين 200% و400%. ويشير إلى أن شحن الحاوية الواحدة من الهند إلى عدن قفز من 1200 دولار إلى ما بين 6 و7 آلاف دولار، مما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية في السوق المحلية.

يراهن
يراهن ميناء عدن على زيادة الرحلات المباشرة لتقليص تكلفة الاستيراد على السوق المحلية

القدرات التشغيلية والحاجة للتطوير

تشغيلياً، يمتلك ميناء عدن بنية أساسية قادرة على استقبال السفن الكبيرة، حيث تضم محطة الحاويات رصيفين بطول 710 أمتار وعمق 16 متراً، مدعومين بـ 6 رافعات جسرية. ومع ذلك، يرى خبراء أن هذه المواصفات ليست كافية للمنافسة، إذ تظل إنتاجية الرصيف وعدد الحركات في الساعة هما المعيار الحاسم لشركات الشحن.

وفي هذا السياق، يسعى الميناء عبر مشاريع تطوير بتمويلات دولية إلى تحسين البنية التشغيلية، إلا أن التحدي يظل في توفير بيئة عمل مستقرة وقابلة للتنبؤ. ويقترح النجار ترتيباً واقعياً للأولويات يبدأ بتعزيز دور الميناء كبوابة لواردات وصادرات اليمن، وتطوير الخدمات البحرية المساعدة كتموين السفن والصيانة، قبل التفكير في استعادة دوره القديم كمركز إقليمي للمسافنة.

قرب
قرب ميناء عدن من مسارات التجارة الدولية يمنحه أفضلية، لكن استثمارها يتطلب جاهزية تشغيلية

غياب البيانات والشفافية

يظل الوصول إلى صورة دقيقة عن وضع الميناء أمراً صعباً في ظل ندرة البيانات التشغيلية الحديثة. وقد اعتذرت الجهات المسؤولة عن الميناء عن الإدلاء بتصريحات صحفية في الوقت الراهن، مرجعة ذلك إلى الظروف والتحديات الأمنية الراهنة. ويبقى التساؤل قائماً: هل ينجح ميناء عدن في تحويل موقعه الجغرافي إلى حركة تجارية فعلية، أم ستبقى الجغرافيا وحدها غير كافية في ظل غياب الاستقرار التنافسي؟

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص