تحول مفهوم الخلاص الفردي في تونس، الذي ارتبط طويلاً بمحاولات الهجرة للبحث عن فرص أفضل، إلى استراتيجية داخلية لمواجهة الأزمات الاقتصادية والخدمية. فقد اتجه التونسيون بشكل متسارع نحو حلول مستقلة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، وعلى رأسها الطاقة الكهربائية، في ظل تكرر الانقطاعات وتزايد الضغوط على الشبكة الوطنية.
عبد الحق سلامة، أحد المواطنين الذين بادروا بتركيب ألواح شمسية فوق سطح منزله، يرى في هذه الخطوة ضرورة ملحة. ورغم تكلفتها الأولية التي تتراوح بين 8 آلاف و20 ألف دينار تونسي، إلا أنها باتت تمثل حائط صد ضد تقلبات فاتورة الكهرباء. ومع ذلك، اكتشف عبد الحق أن الإنتاج النهاري لا يكفي وحده، مما دفعه للبحث عن حلول لتخزين الطاقة لضمان استمرارية التيار خلال فترات الانقطاع.
استقلال الطاقة: أرقام وتوجهات
تشير بيانات الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى أن عدد المشتركين في أنظمة الطاقة الشمسية تجاوز 100 ألف مشترك بنهاية عام 2025، بقدرة إجمالية قاربت 400 ميغاواط. هذا التوسع يعكس تحولاً في ثقافة المستهلك التونسي من مجرد الرغبة في خفض الفواتير إلى السعي نحو أمن طاقي ذاتي.
وفي خطوة استجابة لهذا التوجه، سمحت الشركة في يوليو/تموز 2026 لأصحاب الأنظمة الشمسية المربوطة بشبكة الجهد المنخفض بتركيب بطاريات التخزين، مما يفتح آفاقاً جديدة للمستهلكين للاستفادة من طاقتهم المنتجة ليلاً ونهاراً.
ضرورة اقتصادية في القطاعات الحيوية
لا تتوقف دوافع التحول للطاقة الشمسية عند الاستهلاك المنزلي؛ ففي القطاعين الزراعي والتجاري، أصبحت الطاقة البديلة تأميناً ضد الخسائر. خليل بن زايد، صاحب محال لبيع الدواجن، يؤكد أن ربط منشآته بالطاقة البديلة بات أمراً حتمياً للحفاظ على منتجاته من التلف نتيجة انقطاع التبريد. وبالمثل، يجد الفلاحون في الطاقة الشمسية ضماناً لعمل مضخات المياه والحفاظ على المحاصيل في ظل أزمة الكهرباء الهيكلية.
تحديات هيكلية وعجز طاقي
يتزامن هذا التوجه الفردي مع أزمة طاقة هيكلية؛ حيث سجل العجز التجاري الطاقي في تونس نحو 7 مليارات دينار حتى يونيو/حزيران الماضي، بزيادة 35% عن العام السابق. ويرى خبراء الطاقة، مثل شرف الدين اليعقوبي، أن الطاقة الشمسية جزء من الحل وليست الحل الكامل، مؤكدين على ضرورة تنويع مصادر الطاقة بين الرياح والشمس وتطوير تقنيات التخزين لمواجهة التحديات التقنية التي تواجه الشبكة الوطنية.
في النهاية، يمثل هذا التحول نحو الخلاص الداخلي محاولة تكيف ذكية من قبل التونسيين مع حالة عدم اليقين، حيث لم تعد الدولة هي المصدر الوحيد لتأمين الاحتياجات الأساسية، بل أصبح المواطن شريكاً في إنتاج وإدارة موارده الخاصة.


