في مواقع الطمر الصحي المترامية على أطراف المدن العراقية، تتشكل مأساة إنسانية تتجاوز حدود الحاجة؛ حيث تحولت أكوام النفايات إلى مصدر الرزق الوحيد لأسر كاملة، وجدت نفسها مضطرة لاقتحام بيئات ملوثة ومحفوفة بالمخاطر الصحية والنفسية للبقاء على قيد الحياة.
التصنيف المجتمعي وتهميش العمال
يرى الدكتور شاكر شاهين، أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية في الجامعة المستنصرية، أن هذه الظاهرة تعكس أزمة مركبة. ويشير شاهين إلى أن العامل في هذه المهنة يطور انطباعاً داخلياً بالتهميش، مدفوعاً بنظرة المجتمع النمطية التي تضع من يتعاملون مع الملوثات في أدنى سلم التصنيف الاجتماعي.
ويضيف شاهين أن المشكلة تتقاطع فيها أبعاد اجتماعية مع عجز حكومي واضح في معالجة البطالة وتوفير بدائل عمل كريمة، مما يضطر هؤلاء الأفراد، بمن فيهم خريجو الجامعات، للجوء إلى النبش كخيار أخير لتجنب الانزلاق نحو الجريمة أو الموت جوعاً.
مخاطر بيولوجية وحياة على حافة الركام
يؤكد الخبراء أن العاملين في هذا القطاع يواجهون مخاطر بيولوجية وصحية معقدة، منتقدين النفاق الاجتماعي لبعض النخب والمنظمات التي تتجاهل واقع النساء والأطفال الذين يقضون أيامهم وسط الدخان والنفايات.
أبو حسين، أحد العاملين في هذا المجال منذ التسعينيات، يصف معاناته اليومية قائلاً: أقضي يومي وسط الركام والدخان بحثاً عن مواد قابلة للتدوير، ولا أحصل على أكثر من 10 آلاف دينار عراقي (نحو 7 دولارات)، وهو مبلغ لا يفي بأدنى متطلبات المعيشة، لكن لولا هذا العمل لفتك بنا الجوع.
مستقبل مسلوب في المطامر
لم تعد المأساة محصورة في الكبار فحسب، بل امتدت لتلتهم طفولة أجيال جديدة. الطفلة فاطمة، التي تعمل مع عائلتها في جمع النفايات، تختصر طموحها بكلمات بسيطة: أحلم بترك هذا المكان والجلوس على مقاعد الدراسة. إلا أن واقع الفقر يحول دون تحقيق هذا الحلم، لتبقى آلاف العائلات عالقة في حلقة مفرغة من الحاجة بانتظار تدخل حكومي ينتشلهم من قاع المطامر.


