في لحظة عفوية، دخل الشاعر السعودي جاسم الصحيح على والدته ليجد علبة أدويتها بعيدة عنها، فطلبت منه أن يناولها خزنة مجوهراتها. لم تكن الأم تقصد الذهب أو العقود الثمينة، بل كانت تشير إلى علبة الحبوب والأدوية التي ترافقها في أيامها الثقيلة.
هذه العبارة التي هزت وجدان الشاعر، كانت الشرارة التي ولدت قصيدته الخزنة، حيث تحولت علبة الدواء من مجرد أداة للعلاج إلى صندوق يختزل العمر، ويحمل أثقال الجسد وما يورثه للأبناء. يقول الصحيح في أبياته:
مِنْ عُلْبَةٍ نَحْوَ أُخْرَى بِتُّ أَرْكُضُ بِي ... مُسْتَهْلِكاً عُمْرِيَ المَخْزُونَ فِي العُلَبِ
لِي خُزْنَةٌ مِنْ عَقَاقِيرٍ غَنِيتُ بِهَا ... عَنْ خُزْنَةٍ مِنْ عُقُودِ الدُّرِّ وَالذَّهَبِ
بلاغة البيت.. حين تتحدث العفوية شعراً
يؤكد الصحيح أن كبار السن يمتلكون لغة شعرية فطرية دون أن يعوا ذلك. ويستحضر أمثلة من حديث والدته التي لم تكن تلقنه دروساً في البلاغة، بل كانت تصيغ الحكمة من واقع الحياة؛ كتحذيرها له من الثوب الطويل الذي يرمز لتبعات الزواج والاختيارات الاجتماعية، أو تشبيهها للناس بالنخلة التي تتوزع أجزاؤها في سقف المسجد أو البيت، في خريطة أخلاقية عفوية لفهم طبائع البشر.
الدواء كإرث ووثيقة للزمن
لم تكن عبارة خزنة مجوهراتي مجرد استعارة، بل فتحت للشاعر باباً للتأمل في هشاشة الجسد. فالدواء هنا لا ينهي الألم فحسب، بل يشتري وقتاً إضافياً، ويصبح جزءاً من الذاكرة العائلية التي تنتقل من الآباء إلى الأبناء.
يصف الصحيح هذا التحول في قصيدته:
إِذَا فَتَحْتُ مِنَ الأَقْرَاصِ عُلْبَتَهَا … ظَفَرْتُ مِنْهَا بِأَيَّامٍ بِلَا عَطَبِ
هَذِي كُنُوزِي وَأَخْشَى أَنْ أُوَرِّثَهَا … إِلَى بَنِيَّ فَقَدْ كَانَتْ كُنُوزَ أَبِي
القصيدة تبدأ قبل الورقة
إن تجربة الخزنة تعيد تعريف الشاعر بمهنته؛ فهو ليس صانعاً لعالم مفارق للواقع، بل هو الملتقط للمفارقات الكامنة في الكلام اليومي. الأم لم تقصد كتابة قصيدة حين طلبت دواءها، لكن الشاعر هو من أنصت لعمق هذه الجملة، ليحولها إلى نص يوثق صراع الإنسان مع الزمن والوهن.
في ختام هذه الرؤية، يظل شعر البيت هو الأكثر صدقاً، لأنه لا يهبط من أبراج اللغة العاجية، بل يولد من صميم الحياة وهي تمضي، ومن إدراك أن أثمن ما نملكه أحياناً هو ما نحاول تأجيله بالأدوية، لا ما نتباهى به في الخزائن.


