بين التمجيد والعدالة: جنازة جزار البوسنة تضع صربيا في مواجهة حادة مع أوروبا

بين التمجيد والعدالة: جنازة جزار البوسنة تضع ص

بعد ثلاثة عقود على حرب البوسنة، عادت قضية القائد العسكري السابق لصرب البوسنة، راتكو ملاديتش، لتتصدر المشهد السياسي في البلقان، ليس فقط كذكرى للحرب، بل كأزمة دبلوماسية حادة بين بلغراد والاتحاد الأوروبي، عقب مراسم جنازة عسكرية أثارت استنكاراً دولياً واسعاً.

توفي ملاديتش، المعروف بلقب جزار البوسنة، الشهر الماضي عن عمر يناهز 84 عاماً، أثناء قضائه عقوبة السجن المؤبد في لاهاي، بعد إدانته من قبل محكمة الأمم المتحدة بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك دوره في مجزرة سربرنيتسا.

التحية
التحية العسكرية خلال جنازة ملاديتش التي أثارت اتهامات أوروبية لبلغراد بتمجيده (أسوشيتد برس)

مراسم عسكرية تثير غضب بروكسل

أثارت الخطوات الرسمية التي اتخذتها الحكومة الصربية تجاه جنازة ملاديتش غضباً في الأوساط الأوروبية. فقد نُقل جثمانه على متن طائرة حكومية، ولُف نعشه بالعلم الصربي، وتولى جنود في الجيش الصربي مراسم دفنه، وهو ما اعتبره الاتحاد الأوروبي تمجيداً لمجرم حرب.

ورداً على ذلك، أعلنت المفوضة الأوروبية لشؤون التوسع، مارتا كوس، إلغاء زيارة كانت مقررة إلى بلغراد، مؤكدة أن القيم التي يقوم عليها مستقبلنا المشترك غير قابلة للتفاوض، مشددة على أن مسار انضمام صربيا للاتحاد الأوروبي يتطلب مواجهة صادقة مع الماضي واحتراماً لضحايا جرائم الحرب.

إرث من الدم

لا يزال اسم ملاديتش مرتبطاً بأسوأ صفحات التاريخ الأوروبي الحديث. فإلى جانب مجزرة سربرنيتسا التي راح ضحيتها أكثر من 8 آلاف مسلم، اتسمت قيادته العسكرية بعمليات تطهير عرقي ممنهجة، ومعسكرات اعتقال، وحصار دام لأكثر من 3 سنوات للعاصمة سراييفو، حيث تعرض المدنيون لقصف مستمر ونيران القناصة.

قوات
قوات صرب البوسنة بقيادة ملاديتش ارتكبت جرائم التطهير العرقي ومعسكرات الاعتقال وحصار سراييفو (أسوشيتد برس)

صراع الذاكرة والهوية القومية

يرى مراقبون أن التناقض في التعامل مع ملاديتش يعكس صراعاً عميقاً داخل المجتمع الصربي حول الهوية الوطنية. فبينما يصر البعض على اعتباره بطلاً قومياً، يرى آخرون أن هذا التبجيل ليس سوى هروب من الحقائق التاريخية، ومحاولة لتغييب العدالة. ويشير محللون إلى أن مرور الوقت ساهم في طمس تفاصيل الجرائم لدى البعض، مما أدى إلى قلب مفاهيم الضحية والجاني في الذاكرة الجمعية لقطاعات من القوميين الصرب.

جدارية
جانب من التوترات في بلغراد بشأن إرث ملاديتش (الفرنسية)

تضع هذه التطورات صربيا أمام اختبار حقيقي في علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، الذي تسعى للانضمام إليه منذ عام 2009، حيث بات ملف المصالحة الوطنية والاعتراف بجرائم الماضي شرطاً أساسياً لا يمكن تجاوزه في مسار التكامل الأوروبي.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص