لم يكن انتصار حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت مجرد صعود انتخابي لليمين المتطرف، بل جاء تجسيداً لغضب متراكم في شرق ألمانيا، حيث لا تزال قطاعات واسعة من السكان تشعر بالتهميش والاستلاب بعد أكثر من ثلاثة عقود على توحيد البلاد.
حصد الحزب 43.8% من الأصوات، متقدماً بفارق كبير على الاتحاد الديمقراطي المسيحي، في نتيجة وُصفت بأنها صدمة سياسية غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية. وبات الحزب اليوم على بعد 3 مقاعد فقط من الأغلبية المطلقة، مما يضعه على أعتاب قيادة ولاية ألمانية للمرة الأولى في تاريخه.
جرح الوحدة: حين لا يلتئم الانقسام
يرى المؤرخ نيكولا أوفنشتات أن تفسير هذا التصويت يتجاوز مجرد رفض المهاجرين، ليشمل شعوراً متجذراً لدى مواطني الشرق بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. فرغم التحسن الاقتصادي بعد الوحدة، إلا أن التحول القسري لاقتصاد السوق في التسعينيات أدى إلى انهيار آلاف الشركات وفقدان ملايين الوظائف، وهو ما خلق فجوة اقتصادية واجتماعية لا تزال آثارها قائمة.
عملية انتقال ألمانيا الشرقية إلى اقتصاد السوق في تسعينيات القرن الماضي أدت إلى انهيار آلاف الشركات وفقدان ملايين الوظائف، وترافقت مع هجرة أعداد كبيرة من سكان الشرق إلى الغرب وتراجع بعض الخدمات العامة.
ويشير عالم الاجتماع شتيفن ماو إلى أن الجدار لا يزال في الرؤوس، حيث تُدار أجزاء واسعة من الاقتصاد والثقافة في الشرق من قبل نخب غربية، مما يعزز الإحساس بالاستلاب التاريخي، بدءاً من حقبة الهيمنة السوفيتية وصولاً إلى السياسات الحالية التي يراها البعض مفروضة من الغرب.

استثمار الذاكرة والبحث عن شرعية
نجح حزب البديل في استغلال هذا الغضب عبر تبني رموز من حقبة ألمانيا الشرقية، مثل سيارات ترابانت وصور رائد الفضاء سيغموند يان، ليقدم نفسه كقوة مكملة للتغيير الذي بدأ عام 1989. هذه الاستراتيجية مكنته من اختراق شرائح انتخابية جديدة، متجاوزاً بذلك القواعد التقليدية لليمين المتطرف.

مأزق السلطة والائتلافات
على الرغم من فوزه، يواجه الحزب تحدي تشكيل الحكومة في ظل رفض القوى التقليدية التحالف معه. ويبرز حزب تحالف سارة فاجنكنشت كمتغير جديد في المعادلة، رغم التباين الأيديولوجي الكبير بينهما في الملفات الاقتصادية.

صفعة لميرتس وقلق أوروبي
تمثل هذه النتيجة ضربة قوية للمستشار فريدريش ميرتس، الذي تعهد بكبح صعود اليمين المتطرف، لكن تراجع حزبه (الاتحاد الديمقراطي المسيحي) أظهر خللاً في استراتيجيته. وتتجاوز التداعيات حدود ألمانيا، حيث يثير صعود الحزب مخاوف أوروبية من وصوله إلى مواقع أمنية حساسة، خاصة في ظل مواقفه المثيرة للجدل تجاه روسيا والاتحاد الأوروبي.

يبقى السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه النتائج: هل صنعت ألمانيا الموحدة -دون قصد- البيئة الخصبة التي حولت غضب الشرق إلى منصة انطلاق لليمين المتطرف؟ إن الجدار الذي سقط قبل عقود لا يزال حاضراً في الرؤوس، واليوم يجد لنفسه لغة سياسية جديدة تهدد استقرار المشهد الألماني بأكمله.


