في تحول لافت في الخطاب الأميركي تجاه الأزمة السودانية، أعلنت واشنطن صراحةً أن لا مستقبل لقائدي طرفي النزاع في البلاد، مؤكدة أن المسار الوحيد الذي تدعمه هو انتقال مدني سريع ينهي حقبة الهيمنة العسكرية للبرهان وحميدتي.
تحول في الاستراتيجية الأميركية
تجاوزت التصريحات الأخيرة الدعوات التقليدية لوقف إطلاق النار، لتضع الجنرالين خارج الترتيبات السياسية لما بعد الحرب. هذا الموقف لا يعني صدور قرار قانوني بالتنحية، لكنه يكشف عن تغير جوهري في هدف التحرك الأميركي: من السعي لإقناع الطرفين بالتفاوض، إلى رفض بقائهما في سدة الحكم سياسياً بعد توقف القتال.
تتزامن هذه اللهجة مع تصاعد الضغوط الدولية، بما في ذلك الدفع نحو توسيع حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية، ومطالبة الأطراف بوضع خريطة الطريق لإنهاء النزاع موضع التنفيذ، رغم اعتراف واشنطن ببطء النتائج الملموسة خلال العام الماضي.
معضلة الشرعية والانتقال المدني
بينما يتمسك الجيش بموقفه القائم على شرعية المؤسسة العسكرية، يرى مراقبون أن الخطاب الأميركي وضع سقفاً يرفض شرعنة استمرار البرهان في السلطة، وهو ما يتناقض مع تصريحات سابقة لقادة عسكريين حول ضرورة بقاء القيادة الحالية للإشراف على الدولة بدعوى ضعف الأحزاب.
في المقابل، تؤكد الإدارة الأميركية أن ضغطها على الجيش لا يعني تبنيها لقوات الدعم السريع، حيث تواصل واشنطن فرض عقوبات على قياداتها وتوثيق الانتهاكات المنسوبة إليها، محذرة من تحولها إلى بديل سياسي للدولة.
رؤية القوى المدنية
تتقاطع رؤية القوى المدنية السودانية مع التوجه الأميركي، حيث يشدد تحالف صمود على أن أي حل مستدام يجب أن يقوم على إخراج طرفي الحرب من المشهد العسكري ومؤسسات الدولة، وفتح الطريق أمام بناء مؤسسات مستقلة لا تخضع لنفوذ السلاح، مع ترك الباب مفتوحاً للجميع لخوض غمار العمل السياسي عبر صناديق الاقتراع لا عبر البندقية.
من يملأ الفراغ؟
تطرح هذه الرؤية تحدياً كبيراً حول هوية البديل في ظل تفكك مؤسسات الدولة. وتتعدد السيناريوهات المطروحة من قبل المراقبين، والتي تشمل:
- تشكيل سلطة مدنية انتقالية توافقية من قوى سياسية ومهنية غير منخرطة في الحرب.
- إنشاء مجلس مدني واسع يمثل الأقاليم، النازحين، والنقابات، يتولى اختيار حكومة تكنوقراط.
- ترتيبات أمنية تفصل القوات المسلحة عن قيادة الدولة، مع ضمانات للمساءلة أو الخروج الآمن.
تظل هذه التصورات رهينة لواقع ميداني معقد، حيث تفتقر القوى المدنية لأدوات القوة لفرض الانتقال، بينما تستمر شبكات المصالح في محاولة إعادة إنتاج الحكم العسكري أو تثبيت سلطات موازية. ويبقى الاختبار الحقيقي للإرادة الأميركية في مدى قدرتها على تحويل هذه الرؤية إلى واقع عبر أدوات ضغط فاعلة تنهي تدفق السلاح وتمنع الفوضى السياسية.


