أعتذر من الجميع، لقد كان خيار الهروب صعباً وقاسياً، لكنني أُجبرت على اتخاذ هذا القرار، لا أستطيع التعايش مع وضع مالي مزرٍ للغاية لا يضمن أدنى متطلبات العيش الكريم. بهذه الكلمات، لخصت شهد الجلجلي، بطلة المصارعة التونسية، مأساة جيل كامل من الرياضيين الذين اختاروا الهروب الكبير من معسكرات البعثات الوطنية في الخارج نحو مستقبل مجهول في أوروبا.
لم تكن الجلجلي حالة استثنائية، بل جاءت ضمن موجة من حالات الاختفاء التي شملت لاعبين في الكرة الحديدية، ورفع الأثقال، والجمباز، ممن استغلوا المشاركات الدولية للتخلي عن أحلامهم الرياضية في وطنهم بحثاً عن أفق اقتصادي يحميهم من الفقر والتهميش.
تزايدت ظاهرة إقدام الرياضيين في اختصاصات رياضية متنوعة من بينها كرة القدم على خوض مغامرة الهجرة غير النظامية، عبر زوارق صغيرة أو ما يعرف في تونس بـ قوارب الموت نظراً لما تحمله هذه التجربة من قسوة تقود في بعض الأحيان إلى انتهاء الرحلة بالغرق قبل الوصول إلى الضفة الشمالية من المتوسط.
الاختفاء المستمر: من سيدني إلى النرويج
لا تعد هذه الظاهرة وليدة اللحظة، إذ تشير تقارير إلى أن نحو 300 رياضي تونسي اختاروا هذا المسار على مدار ربع قرن، بدأت أولى حلقاته في أولمبياد سيدني 2000. وقد طالت هذه العدوى أبطالاً متوجين عالمياً، كما حدث مع البطلة غفران بلخير التي اختارت الاستقرار في النرويج والانضمام للمنتخب الألماني، واصفة قرارها بالضرورة الحتمية بعد سنوات من سوء التقدير.
تصريحات لاعبة المصارعة شهد الجلجلي لخصت الواقع المتردي الذي يعيشه الرياضيون التونسيون وخاصة المنتمين لاختصاصات أخرى غير كرة القدم، حيث تخصص وزارة الشباب والرياضة بالتعاون مع الاتحادات الرياضية المحلية مبالغ مالية ضئيلة للغاية يتم تقديمها على شكل منح أو رواتب للرياضيين المنتمين للنخبة والمؤهلين للتألق الدولي.
تعدد أوجه الفرار
تتنوع طرق الهروب؛ فبينما يفضل البعض استغلال البعثات الرسمية، يلجأ آخرون لـ قوارب الموت، في مغامرة غير مأمونة العواقب، كما حدث مع لاعب النادي الصفاقسي محمد علي شلبي. في المقابل، برز نمط الهروب القانوني عبر تغيير الجنسية الرياضية، وهو المسار الذي سلكه السباح رامي الرحموني بتمثيله للمنتخب السعودي، مما أثار جدلاً واسعاً حول مستقبل الرياضة التونسية وقدرتها على الاحتفاظ بمواهبها.
أزمة التمويل: أرقام تفضح العزوف الرسمي
تكمن الأزمة في هيكلية التمويل الرياضي؛ فميزانية وزارة الشباب والرياضة لعام 2026 تخصص ثلثيها للأجور، بينما لا يتجاوز نصيب الاستثمار في تطوير المرافق 11%. هذا الواقع يفرض على رياضيي النخبة، باستثناء قلة قليلة، العيش برواتب زهيدة لا تكفي لتأمين قوت يومهم، ناهيك عن غياب التغطية الاجتماعية.
تشير الإحصاءات إلى وجود عزوف متواصل من قبل الجهات المسؤولة عن تمويل الحقل الرياضي، بل إن الرياضة لم تعد أولوية والاستثمار في استقطاب الشباب رياضياً بات شبه غائب، وهذا الأمر برز في مختلف الأوجه والنواحي، حيث انعدم الاستثمار بشكل شبه كلي في تطوير الملاعب والقاعات الرياضية أو مضاعفة أعدادها.
الحل يكمن في التفاصيل
يرى الخبراء أن وقف نزيف الرياضيين يتطلب إجراءات جذرية، تبدأ بمضاعفة المنح المالية وتوزيعها بعدالة، وتمر بضرورة خلق توازن بين المسار الرياضي والمهني. ويبرز مقترح تحرير الرياضي من قيود الاتحادات كحل عملي، عبر السماح لأبطال النخبة بإنشاء شركات خاصة تتيح لهم جلب الرعاة وتطوير مصادر دخل مستقلة، مما يضمن لهم حياة كريمة داخل أرض الوطن بدلاً من البحث عنها في قاع المتوسط أو في ملاعب دول أخرى.


