تشهد القارة الإفريقية تصاعداً مقلقاً في مستويات انعدام الأمن الغذائي، حيث لم تعد الأزمة مقتصرة على بؤر النزاعات التقليدية، بل امتدت لتشمل مناطق واسعة من شرق القارة وصولاً إلى دول الساحل وغرب إفريقيا، مما يضع ملايين الأسر أمام خطر حقيقي يهدد حياتهم اليومية.
تداخل العوامل المسببة للأزمة
تتضافر عدة عوامل لتفاقم هذا التدهور، يأتي في مقدمتها النزاعات المسلحة التي أدت إلى نزوح واسع النطاق، بالتزامن مع تراجع الإنتاج الزراعي نتيجة التغيرات المناخية الحادة، وتحديداً الجفاف والفيضانات. وقد أدى موسم الأمطار الأخير، الذي كان من بين الأكثر جفافاً على الإطلاق، إلى تلف المحاصيل وشح المياه ونقص المراعي، مما تسبب في ارتفاع جنوني بأسعار المواد الغذائية الأساسية، وأضعف القدرة الشرائية للمواطنين بشكل غير مسبوق.
تحذيرات إيغاد: وضع كارثي في 2026
حذرت منظمة إيغاد في تقريرها الأخير من أن الملايين في كل من جيبوتي، كينيا، الصومال، جنوب السودان، السودان، وأوغندا يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال عام 2026. وأكد محمد عبدي واري، نائب الأمين التنفيذي للمنظمة، أن الأزمة تتطلب تحولاً جذرياً من مجرد الاستجابة للطوارئ إلى استراتيجيات الوقاية الاستباقية.
أبرز المؤشرات الإقليمية:
- السودان: يواجه 19.5 مليون شخص (41% من السكان) انعداماً حاداً للأمن الغذائي.
- جنوب السودان: ترتفع النسبة إلى 55% من السكان، مع وجود 73 ألف شخص في ظروف كارثية.
- الصومال: يعاني 6.5 مليون شخص من نقص حاد في الغذاء، بزيادة 1.9 مليون شخص عن عام 2025.
- كينيا: سجلت المناطق القاحلة زيادة بنسبة 46% في أعداد المتضررين مقارنة بالعام الماضي.
- جيبوتي: من المتوقع أن يواجه 300 ألف شخص مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي بنهاية العام.
تأثير النزاعات والاضطرابات الاقتصادية
وفقاً للمركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية، يعيش نحو 130 مليون شخص (78% من إجمالي من يعانون من الجوع) في بلدان تشهد نزاعات. وتتحمل دول مثل نيجيريا، جمهورية الكونغو الديمقراطية، السودان، إثيوبيا، وجنوب السودان العبء الأكبر، حيث تمثل مجتمعة ثلثي حالات انعدام الأمن الغذائي في القارة.
وفي غرب إفريقيا، تتخذ الأزمة طابعاً اقتصادياً أكثر تعقيداً؛ إذ يعاني السكان في مالي وبوركينا فاسو والنيجر من تضخم متسارع، وتراجع في قيمة العملات، واضطرابات في سلاسل الإمداد، مما جعل الحصول على الغذاء تحدياً يومياً حتى في حال توفره في الأسواق.
أزمة تتجاوز الجوع
لا تتوقف التداعيات عند نقص الغذاء، بل تمتد لتشمل انهياراً في مؤشرات الصحة والتعليم. فمع فقدان القدرة الشرائية، تضطر الأسر إلى تقليص عدد الوجبات أو إخراج الأطفال من المدارس للمساعدة في توفير الدخل، مما ينذر بضياع جيل كامل. ويؤكد الخبراء أن تزامن الحروب مع الضغوط المناخية والتضخم يخلق واقعاً اقتصادياً واجتماعياً هشاً، يفرض على الحكومات والمنظمات الدولية التحرك الفوري لمنع تحول هذه الأزمة من حالة طارئة إلى واقع دائم.


