يعد التخوف من إمكانية أن تتسبب أنظمة الذكاء الاصطناعي في قتل مليار إنسان سيناريو يبدو للوهلة الأولى من صلب أفلام الخيال العلمي، لكنه يفتح باباً لنقاش استراتيجي وأخلاقي بالغ الخطورة: من يملك قرار الضغط على الزناد عندما تختار المنظومات الآلية أهدافها وتتخذ قرار الاشتباك دون تدخل بشري؟
في مقابلة خاصة، يوضح البروفيسور بيتر لي، أستاذ الأخلاقيات التطبيقية بجامعة بورتسموث وعضو اللجنة الاستشارية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي بوزارة الدفاع البريطانية، أن الخطورة لا تكمن في استيقاظ الآلة فجأة لتقرر إنهاء البشرية، بل في التوسع العسكري المتسارع لهذه التقنيات في ظل غياب قواعد تحكم دولية متفق عليها.
الدول الـ128 الأطراف في اتفاقية الأسلحة التقليدية تتفق على وثيقة غير ملزمة لتنظيم الأسلحة ذاتية التشغيل، بعد أكثر من عقد من المفاوضات، في خطوة قد تفتح الباب أمام مفاوضات رسمية بشأن معاهدة دولية.. تابع التفاصيل في السلسلة التالية ?
(13) pic.twitter.com/0zrtsOUGBv— قناة الجزيرة (@AJArabic) September 6, 2026
الآلة ومنظومات القوة النووية
يشير لي إلى أن السيناريو الكارثي الأكثر قلقاً هو إدماج الذكاء الاصطناعي في أنظمة القيادة والسيطرة النووية لدى القوى العظمى. ومع ذلك، يستبعد الخبير أن تكون الأنظمة الحالية قادرة على تنفيذ قتل بهذا الحجم، مؤكداً أن القوى النووية تفرض إجراءات أمنية معقدة تحول دون اختراق هذه المنظومات رقمياً.
لكن الإشكال الحقيقي يكمن في تقليص المسافة بين تحليل البيانات وتنفيذ الضربة. التساؤل الجوهري اليوم ليس حول قدرة الخوارزمية على خوض حرب نووية بمفردها، بل إلى أي مدى سيسمح البشر للآلة بالمشاركة في اتخاذ قرار استخدام القوة، وهل سيتحول التدخل البشري إلى مجرد إجراء شكلي؟

جنيف: صراع المصالح مقابل الأخلاقيات
في جنيف، كشفت المحادثات الأممية التي شاركت فيها 128 دولة عن تناقض صارخ؛ فبينما تدعو الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى حظر أنواع معينة من الأسلحة ذاتية التشغيل، تسعى القوى العظمى -وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا- إلى تخفيف القيود المقترحة لضمان عدم تقييد تفوقها التقني.
بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر يحذر من مخاطر التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، قائلا إن التقنيات الجديدة قد تتحول إلى أداة للهيمنة والظلم بدلا من خدمة الإنسان، وإن الاعتماد المتزايد على الآلات قد يهدد فهم البشر لذواتهم وكرامتهم#الجزيرة pic.twitter.com/atQHcacvGr
— قناة الجزيرة (@AJArabic) September 26, 2026
سباق الريادة والاتصالات الهشة
يرى البروفيسور بيتر لي أن رفض القوى الكبرى للمعاهدات الملزمة يعود إلى المنافسة المحتدمة على الريادة في الذكاء الاصطناعي. ويشير إلى أن قنوات الاتصال التي أُعلن عنها بين واشنطن وبكين ليست سوى آليات لتخفيف الأزمات ومنع الصدامات غير المقصودة، وليست أدوات للحد من تطوير أسلحة ذاتية التشغيل.
إن إدارة الحادث لا تعني منع سببه؛ فالدول مستمرة في تطوير قدراتها العسكرية بينما تظل الدبلوماسية الدولية تراوح مكانها. وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأخلاقي الأهم الذي يواجه الإنسانية: عندما تتخذ الآلة قرار القتل، من سيكون المسؤول قانونياً وأخلاقياً عن هذه الدماء؟


