تصدع في التحالف المقدس: هل بدأ الإجماع الجمهوري حول إسرائيل بالانهيار؟

تصدع في التحالف المقدس: هل بدأ الإجماع الجمهوري

لطالما اعتُبر التحالف بين الحزب الجمهوري الأمريكي وإسرائيل ركيزة أساسية في السياسة الخارجية الأمريكية، وهي علاقة تعمقت خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية، وتعود جذورها إلى صعود المسيحية المحافظة كقوة سياسية مؤثرة قبل أكثر من نصف قرن.

جذور التحالف: من اللاهوت إلى السياسة

بدأت هذه الشراكة مع تقارب القس بيلي غراهام والرئيس ريتشارد نيكسون، مما مهد الطريق لإدماج السياسة الإنجيلية في البيت الأبيض. وفي أواخر السبعينيات، نجح جيري فالويل عبر حركة الأغلبية الأخلاقية في حشد الناخبين الإنجيليين ككتلة تصويتية حيوية ضمن الائتلاف المحافظ لرونالد ريغان. تحولت إسرائيل في هذا السياق من مجرد حليف استراتيجي إلى جزء من الهوية العقائدية للمحافظين، حيث يرى الكثيرون أن دعم الدولة العبرية ضرورة نبوية مرتبطة بعودة المسيح.

ورثة التحالف في أروقة السلطة

اليوم، يواصل قادة جمهوريون بارزون هذا الإرث، حيث يجسد رئيس مجلس النواب مايك جونسون هذا التوجه عبر استحضار النصوص التناخية لتبرير الدعم الأمريكي المطلق. ويمتد هذا النهج إلى شخصيات مثل السيناتور تيد كروز والسيناتور توم كوتون، الذي يسعى لفرض مصطلحات توراتية مثل يهودا والسامرة بدلاً من الضفة الغربية في السياسة الفيدرالية، وصولاً إلى تعيين مايك هاكابي سفيراً لدى إسرائيل، وهو الذي يتبنى رؤية تعتبر المطالب التوراتية ذات وزن سياسي ملزم.

ترامب ومعضلة أمريكا أولاً

واجه هذا التحالف تحدياً داخلياً مع صعود شعار أمريكا أولاً الذي تبناه دونالد ترامب. فبينما أرضى ترامب القاعدة الإنجيلية بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، إلا أن ائتلافه يضم أيضاً تياراً متشككاً في التدخلات الخارجية والحروب المكلفة. هذا التوتر يبرز بوضوح في ملف الحرب الإيرانية، حيث تتقاطع المصالح الاستراتيجية مع التساؤلات حول التكلفة المالية والبشرية للالتزامات الخارجية، مما يجعل التوفيق بين الواجب الديني والمصلحة الوطنية مهمة صعبة أمام القيادة الجمهورية.

الشرخ الجيلي: تحول في القاعدة الشعبية

تظهر استطلاعات الرأي، لا سيما من مركز بيو للأبحاث، فجوة جيلية عميقة داخل الحزب الجمهوري. فبينما يظل كبار السن متمسكين بالدعم التقليدي لإسرائيل، تظهر الأجيال الشابة (بين 18 و49 عاماً) مواقف أكثر انتقادية. يعود ذلك جزئياً إلى انفتاح هذه الأجيال على وسائل التواصل الاجتماعي وتغطيات الحرب في غزة، مما دفع الكثيرين منهم للتساؤل حول جدوى الالتزامات السياسية المبنية على أسس دينية بحتة.

مستقبل الإرث الجمهوري

على الرغم من أن المؤسسات الإنجيلية لا تزال تمتلك موارد ونفوذاً سياسياً واسعاً، إلا أن الأسئلة المطروحة اليوم تتجاوز اللاهوت لتصل إلى صلب المصلحة الوطنية: ما الذي يحققه الدعم الأمريكي لإسرائيل؟ وما هي تكلفته؟ إن نجاح الصهيونية المسيحية في تحويل دعم إسرائيل إلى أرثوذكسية جمهورية يواجه اليوم اختباراً وجودياً، حيث قد يضطر الحزب في المستقبل إلى تقديم تبريرات قائمة على المصالح الاستراتيجية الملموسة بدلاً من الالتزامات الدينية وحدها، وهو ما سيشكل بالتأكيد اختباراً حاسماً لهوية الحزب الجمهوري المتطورة.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص