لا يمثل الوصول إلى البلدة الأصلية نهاية لمعاناة النازحين السوريين؛ فبين الرغبة في العودة وواقع الاستقرار، تبرز فجوة كبيرة تسدها مقومات أساسية: سقف صالح للسكن، وخدمات مستدامة، ودخل يؤمن احتياجات الأسرة. إن الرجوع يفتح باب استعادة الحياة، لكنه يحتاج إلى ركائز تبقي هذا الباب مفتوحاً أمام العائلات العائدة.
تجربة بدر: الترميم كبوابة للعودة
في ريف إدلب الجنوبي، كانت قصة بدر نموذجاً لما يواجهه العائدون. بعد سنوات من النزوح في مدينة حارم، اتخذ قرار العودة إلى معرتحرمة مقترناً بتوفير مأوى. وجد بدر بلدته مهجورة ومنازلها متضررة، لكن دخوله ضمن مشروع ترميم نفذته منظمة سند الإنسانية كان نقطة التحول التي وفرت عليه أعباء مالية باهظة وأتاحت لأسرته الاستقرار مجدداً.
رانيا: من المسكن المستعار إلى العمل المستقل
وفي سراقب، واجهت رانيا تحدياً مضاعفاً؛ فهي لا تملك منزلاً خاصاً، واضطرت للإقامة في منزل متضرر لأقاربها. ورغم صعوبة الظروف المعيشية في البداية، إلا أن مسار عودتها اتخذ منحى إيجابياً حين انخرطت في مشروع للتدريب على صناعة الحلويات. هذه الخطوة مكنتها من إطلاق عمل منزلي وفر مورداً إضافياً، ليتحول العمل إلى ركيزة أساسية لضمان بقاء الأسرة في بلدتها.
مؤشرات العودة: الأرقام والتحديات
تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى تحول في نمط الاحتياجات؛ حيث سجلت الفترة بين يوليو وأغسطس 2026 مغادرة أكثر من 38 ألف نازح لمواقع النزوح، مع توقف أو إغلاق 130 موقعاً للنزوح خلال هذه الفترة. ومع ذلك، يحذر المكتب من أن ضعف البنية التحتية والمساكن غير الملائمة يظل العائق الأكبر أمام استدامة هذه العودة.
تؤكد التجارب الميدانية أن تأهيل المدارس، والمستشفيات، والمخابز، وشبكات المياه والكهرباء، إلى جانب دعم مشاريع كسب العيش، هي العوامل الحاسمة التي تحدد قدرة السوريين على البقاء في مناطقهم، وتمنع انزلاقهم مجدداً نحو رحلة نزوح جديدة في حال غياب مقومات الحياة الأساسية.


