على مدار سبعة عقود، لم تكن رحلة الفلسطيني الألماني شريف أبو جابر مجرد قصة لجوء تقليدية، بل تحولت إلى مسيرة إنسانية ملهمة جعلت منه جداً للاجئين العرب في ألمانيا، وسنداً حقيقياً لكل من تقطعت بهم السبل في بلد غريب اللغة والنظام.
بدأت حكاية أبو جابر، الملقب بـ أبو الحسن، منذ عام 1958 حين وطئت قدماه أرض ألمانيا. لم يكتفِ الرجل بالاستقرار الشخصي، بل كرّس حياته لمساعدة القادمين الجدد في تجاوز عقبات البدايات، بدءاً من المعاملات الإجرائية في الدوائر الحكومية، وصولاً إلى التوجيه الدراسي والمهني، وحتى الحصول على الجنسية الألمانية.
دافع نابع من تجربة شخصية
يؤكد أبو الحسن أن المحرك الأساسي لعمله التطوعي هو الحفاظ على كرامة الإنسان، وضمان شعور اللاجئ بالأمان. هذه الرؤية نابعة من ذاكرته التي لم تغب عنها تفاصيل تهجيره من فلسطين وهو في الثامنة من عمره؛ حيث يرى أن فقدان الوطن والبحث عن الأمان جعلاني أكثر إدراكاً لما يواجهه اللاجئ فور وصوله إلى مجتمع جديد.
بديل عن الوطن
لم يقتصر دور أبو الحسن على الجانب الخدمي، بل امتد ليشكل غطاءً عاطفياً للأسر المشتتة، كما تروي اللاجئة السورية فاطمة صباح، التي وجدت في الوالد شريف ملاذاً بعد أن أجبرتها الحرب على مغادرة وطنها، لتصفه قائلة: تركنا حضن أهلنا، لكننا وجدنا في ألمانيا حضن الوالد شريف.
بدأ أبو الحسن نشاطه التطوعي مبكراً عبر رابطة الطلبة العرب في جامعة فرايبورغ، ثم ترأس اتحاد الطلبة العرب في هامبورغ، وأسس لاحقاً اتحاد الطلبة الفلسطينيين. ومع تدفق موجات اللجوء الكبرى، انخرط في مبادرات ميدانية مثل مجموعات أهلاً وسهلاً التي قدمت دعماً تعليمياً ومهنياً مباشراً للمهاجرين.
رسالة الاندماج والتكريم
يرى أبو الحسن أن الاندماج عملية تبادلية تتطلب جهداً مشتركاً؛ حيث يقول: نحن العرب نريد أن نندمج في المجتمع الألماني، والمجتمع الألماني عليه أن يتقبل هؤلاء العرب.
هذا العطاء المستمر لم يمر دون تقدير، حيث نال أبو الحسن تكريمات من الحكومة الاتحادية الألمانية ومن مدينة كولن. ومع ذلك، يصرّ جد اللاجئين على أن هذه الأوسمة لا تخصه وحده، بل هي تكريم لروح الجالية العربية ومساهمتها الفاعلة في المجتمع الألماني الذي باتت جزءاً أصيلاً من نسيجه.


