لا يتردد اسم دولة ساموا في الأخبار إلا نادراً، فهي ليست حاضرة إعلامياً بحكم موقعها الهادئ في أقصى جنوب المحيط الهادي. لكنها حين تُذكر، تكون مصحوبة بكونها تمثل خط دفاع دبلوماسي خلف إسرائيل في المحافل الدولية. في قلب هذا المشهد، برز رئيس وزراء ساموا، لاأولي ليواتيا شميدت، كشخصية تثير الجدل بعد كشف مفارقات تاريخية في مسيرته السياسية.
شبح هتلر في جزر المحيط الهادي
أثار مقطع فيديو مسرب ضجة هائلة، يُظهر رئيس الوزراء شميدت وهو يقود 13 شخصاً في تجمع عائلي قبل نحو 19 عاماً، ليهتفوا بحماس هايل هتلر (يحيا هتلر). الفيديو الذي يعود لعام 2007، حين كان شميدت نائباً مرشحاً، كشف عن جانب مظلم في تاريخه الشخصي، حيث ظهر في لقطة على شواطئ جزيرة سافاي وهو يرفع يده بالتحية النازية.
هذا الكشف دفع شميدت لإصدار بيان توبة علني، معلناً ولاءه لقيم الديمقراطية ورافضاً للنازية ومعاداة السامية، واصفاً ما حدث بأنه دعابة في سياق عائلي. ومع ذلك، يرى مراقبون أن تلك المزحة تعبير عن إعجاب دفين بنموذج الدكتاتور القوي، وهو إعجاب غذته حكايات الأجداد الألمان في الجزيرة عن الانضباط والنقاء العرقي.
بين الإرث الألماني والولاء لإسرائيل
تكمن المفارقة في أن شميدت نفسه هو الرجل الذي أقسم اليمين الدستورية عام 2025 وهو يرتدي شال الصلاة اليهودي (التاليت) على وقع نفخ بوق الشوفار التقليدي، معلناً الدعم المطلق لإسرائيل ومتعهداً بفتح سفارة بلاده في القدس. يعود هذا التحول إلى طبيعة الحقبة الاستعمارية الألمانية التي خضعت لها ساموا في مطلع القرن العشرين، حيث تركت بصمات ثقافية وعائلية عميقة، إذ يحمل الزعيم اسماً عائلياً ألمانياً واضحاً (شميدت).
إلى جانب الإرث الاستعماري، تلعب المسيحية الصهيونية دوراً محورياً؛ حيث تتبنى الكنائس في ساموا قراءة حرفية للتوراة، وتنظر لإسرائيل كـشعب الله المختار، مما يجعل دعمها واجباً دينياً لتعجيل النبوءات.
لغة المصالح: شراء الأصوات الأممية
بعيداً عن الأيديولوجيا، هناك لغة المصالح الباردة. فقد وظفت إسرائيل وكالة للتعاون التنموي الدولي (ماشاف) لتقديم مساعدات تقنية وزراعية وإغاثية لجزر المحيط الهادي. هذه المساعدات تحولت إلى أداة سياسية تضمن ولاء هذه الدول في أروقة الأمم المتحدة، حيث تحتاج إسرائيل لكل صوت يواجه القرارات الدولية التضامنية مع فلسطين.
تستغل إسرائيل الفراغ الدبلوماسي العربي في تلك الجزر لتكسب -بأقل التكاليف- أصواتاً تكسر بها عزلتها الدولية، محولةً دولاً مثل ساموا وناورو وبالاو إلى ما يشبه المستعمرات الدبلوماسية الطيعة.
يبقى لاأولي ليواتيا شميدت نموذجاً للسياسي الذي يستعير رموز التاريخ المتناقضة ببراغماتية خلاصية، ليثبت أن الجغرافيا مهما نأت تظل ساحة مستباحة لتقاطع أيديولوجيات العالم الأكثر صخباً.


